المغرب

بنكيران مسؤول حتى عن انقطاع الماء والكهرباء.. مدرسة الشرقاوي الجديدة في التحليل السياسي!

يبدو أن بعض المحللين السياسيين في المغرب توصلوا إلى اكتشاف علمي خطير يستحق جائزة نوبل في الفيزياء السياسية: عبد الإله بنكيران هو المسؤول عن كل شيء.

ارتفعت أسعار المحروقات؟ السبب بنكيران.

تراجعت القدرة الشرائية؟ السبب بنكيران.

فشلت الحكومة في تحقيق وعودها؟ السبب بنكيران.

ازدحم المرور في الدار البيضاء؟ ربما بنكيران أيضاً.

ولو سقطت أمطار غزيرة في عز الصيف، فسيخرج علينا أحدهم ليشرح أن بنكيران حرر قطرات المطر سنة 2015 وتركها تخضع لقانون العرض والطلب!

آخر فصول هذه المدرسة العجيبة جاء مع الجدل حول مقترح تسقيف أسعار المحروقات. فبدل مساءلة الحكومة الحالية التي تدبر الشأن العام منذ سنوات، وبدل مناقشة الأرباح الخيالية التي راكمتها شركات التوزيع، وبدل التساؤل عن سبب استمرار الأسعار المرتفعة رغم تراجع أسعار النفط في فترات عديدة، يتم توجيه الكاميرا مباشرة نحو بنكيران، وكأن الرجل لا يزال رئيساً للحكومة من مكتبه السري تحت الأرض.

صحيح أن حكومة بنكيران اتخذت قرار تحرير أسعار المحروقات، وهو قرار سياسي يتحمل مسؤوليته التاريخية والسياسية. لكن السؤال الذي يرفض البعض الإجابة عنه هو: من المستفيد الأكبر من هذا التحرير؟

هل استفاد المواطن؟

هل استفادت القدرة الشرائية؟

أم استفادت الشركات الكبرى التي راكمت الأرباح بالمليارات؟

الغريب أن بعض المحللين يتحدثون عن قرار التحرير وكأنه نزل من السماء دون أن يستفيد منه أحد. كأن الأرباح اختفت في مثلث برمودا الاقتصادي، ولم تجد طريقها إلى جيوب الفاعلين الكبار في القطاع.

الحكومة الحالية وصلت إلى السلطة سنة 2021. مرت سنوات من التدبير والقرارات والسياسات والتصريحات والوعود. لكن في كل مرة يطرح فيها سؤال حول الحصيلة، يخرج لنا من يقول: “ارجعوا إلى بنكيران”. وكأن الحكومة الحالية مجرد جمعية ثقافية تسير شؤون البلاد بالنيابة المؤقتة إلى حين انتهاء مفعول قرارات 2015.

هذا النوع من التحليل لا يهدف إلى الفهم بقدر ما يهدف إلى الهروب. فحين يصبح الماضي هو المتهم الوحيد، يحصل الحاضر على صك البراءة بشكل تلقائي.

في النهاية، لا أحد ينكر مسؤولية بنكيران عن القرارات التي اتخذها خلال ولايته. لكن تحويله إلى شماعة تعلق عليها كل إخفاقات الحكومات اللاحقة يشبه تحميل المدرب السابق مسؤولية كل هزيمة يتعرض لها الفريق بعد عشر سنوات من رحيله.

المواطن المغربي يريد أجوبة عن أسئلة اليوم، لا إعادة بث مباريات الأمس. يريد أن يعرف من يدبر قطاع المحروقات الآن، ومن يستفيد الآن، ومن يرفض تسقيف الأسعار الآن. أما تحويل بنكيران إلى كائن أسطوري يتحكم في الاقتصاد المغربي عن بعد، فربما يصلح لمسلسل خيال سياسي أكثر مما يصلح لتحليل جاد للواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى