أقلام حرةالعالم

حين يوضع الأنبياء في ميزان القوة: ماذا يقول نتنياهو


ليس تصريح بنيامين نتنياهو عن أن المسيح لا يتفوق على جنكيز خان مجرد زلة لسان أو مقارنة مستفزة عابرة، بل هو تكثيف مكشوف لرؤية كاملة للعالم، رؤية لا تُقاس فيها القيم بما تحمله من معنى إنساني، بل بما تحققه من سيطرة مادية على الأرض. هنا، لا يعود الدين مرجعية أخلاقية، بل يتحول إلى خلفية رمزية يمكن تجاوزها بسهولة عندما تعترض طريق القوة.
في هذا الخطاب، يُعاد ترتيب التاريخ بطريقة صادمة: من انتصر بالسيف هو الأكثر “نجاحًا”، ومن ترك أثرًا روحيًا أو أخلاقيًا دون أن يؤسس قوة مادية، يُدفع به إلى الهامش. وكأن البشرية لم تتعلم شيئًا من قرون طويلة من الصراع، وكأن المعايير التي قامت عليها الأديان — الرحمة، العدل، التضحية — ليست سوى تفاصيل جانبية في كتاب يُكتب بالحروب لا بالقيم.
لكن الأخطر من هذا الاختزال، هو ما يكشفه من توظيف انتقائي للدين. فحين يخدم الدين المشروع السياسي، يُستدعى بكل ثقله الرمزي لتبرير الحق في الأرض والتفوق، وحين يقف كحاجز أخلاقي أمام العنف، يتم تجاوزه أو إعادة تأويله. هذا التذبذب ليس تناقضًا عرضيًا، بل جزء من آلية اشتغال الخطاب نفسه: الدين يُستخدم حين يكون أداة، ويُهمَّش حين يصبح قيدًا.
داخل هذا المنطق، لا تعود القوة وسيلة، بل تتحول إلى معيار للحقيقة. ما هو “حق” هو ما يمكن فرضه، وما هو “شرعي” هو ما يمكن حمايته بالسلاح. وهنا تذوب الحدود بين الأخلاقي والعملي، ويصبح التاريخ سلسلة من الوقائع التي يكتبها المنتصرون، لا مرآة تعكس ما هو عادل أو إنساني.
هذا ما يجعل التصريح أكثر من مجرد مقارنة بين شخصيتين؛ إنه إعلان صريح عن فلسفة سياسية ترى العالم كحلبة صراع مفتوحة، حيث لا مكان للضعف، ولا قيمة لما لا يُترجم إلى قوة. ومن داخل هذه الرؤية، يمكن فهم الكثير من الممارسات التي تُقدَّم للعالم بلغة الدفاع عن النفس أو حماية الأمن، بينما هي في جوهرها استمرار لنفس المنطق: البقاء للأقوى، لا للأعدل.
ومع ذلك، فإن هذا الخطاب يحمل في داخله مفارقة لا يمكن تجاهلها. فحتى وهو يُعلي من شأن القوة، لا يستطيع الاستغناء عن اللغة الأخلاقية بالكامل. لا يزال بحاجة إلى مفردات مثل “الأمن” و“الحق” و“الدفاع”، لأن القوة وحدها، رغم سطوتها، لا تكفي لإقناع العالم. وهذا يكشف أن القيم التي يتم التقليل من شأنها في التصريح، تظل ضرورية في الخطاب، ولو على مستوى التبرير.
في النهاية، ما يقوله هذا النوع من التصريحات ليس فقط كيف يرى أصحابه التاريخ، بل كيف يريدون أن يُفهم الحاضر. إنه دعوة غير معلنة لقبول عالم تُقاس فيه الأمور بميزان القوة فقط. لكن هذا الميزان، مهما بدا حاسمًا، يظل ناقصًا: لأنه قادر على تفسير من انتصر، لكنه عاجز عن تفسير لماذا يبقى بعض المهزومين أحياء في الذاكرة، بينما يختفي كثير من المنتصرين مع الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى