الاتحاد الاشتراكي يكتشف الوطنية: من يعارض تأميم “لاسامير” يحب المغرب أكثر!

يبدو أن السياسة في المغرب دخلت مرحلة جديدة من الإبداع الفكري، فبعد سنوات كنا نعتقد أن الوطنية تُقاس بالدفاع عن مصالح المواطنين، وحماية القدرة الشرائية، والحفاظ على الأمن الطاقي للبلاد، اكتشفنا فجأة معياراً جديداً: “من يؤيد تأميم سامير ليس وطنياً بما يكفي”.
خرج علينا ممثل الاتحاد الاشتراكي ليؤكد أن “أي مغربي وطني يحب بلاده يستحيل أن يسير في اتجاه التأميم”. يا سلام! إذن المسألة لم تعد نقاشاً اقتصادياً أو سياسياً، بل أصبحت اختباراً للوطنية. من مع التأميم مشكوك في حبه للوطن، ومن ضده يحمل شهادة حسن السيرة الوطنية مختومة وموقعة.
الغريب أن دولاً كبرى عبر العالم أممت بنوكاً وشركات استراتيجية عندما اقتضت المصلحة الوطنية ذلك. فهل كانت تلك الدول تكره نفسها؟ أم أنها لم تستشر الاتحاد الاشتراكي قبل اتخاذ القرار؟
الأطرف من ذلك أن الحزب اختار الامتناع عن التصويت. لا هو مع المقترح ولا هو ضده. وقف في المنطقة الرمادية ثم خرج ليعطينا درساً في الوطنية. كأن تلميذاً لم يجب عن سؤال الامتحان، ثم شرع يشرح للناجحين والراسبين معاً كيف كان يجب أن تكون الإجابة الصحيحة.
ثم إن المواطن البسيط يتساءل: إذا كانت شركة سامير متوقفة منذ سنوات، والبلاد تستورد كل حاجياتها من التكرير، والأسعار تشتعل كلما تحركت الأسواق الدولية، فأين يكمن الخطر بالضبط في إعادة الأصل الاستراتيجي للدولة؟ هل الخطر على الاقتصاد الوطني أم على مصالح أخرى لا يراها المواطن؟
أما حجة أن التأميم “مزايدة سياسية”، فهي من أروع النكات السياسية لهذا الموسم. فحين يطالب الناس بخفض الأسعار يقال لهم إنها مزايدة، وحين يطالبون باسترجاع منشأة استراتيجية يقال لهم إنها مزايدة، وحين يحتجون على الغلاء يقال لهم إنها مزايدة. يبدو أن المواطن المغربي أصبح يمارس المزايدة حتى وهو يشتري الطماطم والبصل.
الاتحاد الاشتراكي الذي كان يوماً ما يرفع شعارات العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية، وجد نفسه اليوم يدافع عن موقف يحتاج إلى الكثير من الشرح والكثير من التبرير. لكن كما يقول المثل المغربي: “عذر أقبح من الزلة”.
في النهاية، لم يعد المواطن يعرف من يدافع عن مصالحه ومن يدافع عن مصالح السوق، ومن يتحدث باسم الشعب ومن يتحدث باسم لوبيات المحروقات. لكنه يعرف شيئاً واحداً فقط: كلما ارتفع ثمن الوقود، تنخفض قدرته الشرائية، بينما ترتفع خطابات التبرير إلى مستويات قياسية.
أما الوطنية التي يتحدثون عنها، فالمواطن يراها ببساطة في جيبه الفارغ، وفي فاتورته المرتفعة، وفي حلمه البسيط بأن يجد من يدافع عنه قبل أن يعطيه دروساً في حب الوطن.




