
في يوم استثنائي اختلطت فيه مشاعر الفخر بالوفاء، احتفت جامعة القرويين بتتويج علمي جديد يضاف إلى مسار أحد أبنائها الذين ارتبط اسمهم بالعلم والتعليم وخدمة السيرة النبوية، ويتعلق الأمر بالأستاذ الدكتور محمد بن جبور، الذي ناقش أطروحة دكتوراه الدولة بعنوان: «التصنيف في السيرة النبوية بالغرب الإسلامي: دراسة نقدية في الأنماط والوظائف»، ليحصل على شهادة العالمية دكتوراه الدولة بميزة ممتاز، مع تنويه وتقدير لجنة المناقشة والتوصية بطبع الأطروحة.
وجرت المناقشة أمام لجنة علمية ضمت نخبة من الأساتذة، ترأسها وأشرف عليها الدكتور عبد الله غازيوي،، إلى جانب الدكتور محمد السرار مشرفا، والدكتور محمد الوثيق والدكتور محمد العلمي والدكتورة رشيدة ناصر مقررين.
ولا تبدو أهمية هذا التتويج في كونه مجرد شهادة أكاديمية جديدة، وإنما في طبيعة الموضوع الذي اختاره الدكتور محمد بن جبور، والمتصل بالسيرة النبوية في الغرب الإسلامي، وما يقتضيه ذلك من اشتغال علمي على التراث، وتصنيفاته، ومناهجه، ووظائفه، بما يربط بين التحقيق العلمي وفهم أحد أهم روافد الثقافة الإسلامية في المنطقة.

وتأتي هذه الدكتوراه لتتوج مسارا علميا وفكريا ظل فيه محمد بن جبور قريبا من العلم وأهله، ومن القرويين بوصفها مؤسسة علمية عريقة لم تكن يوما مجرد فضاء لمنح الشهادات، وإنما ظلت عبر تاريخها مدرسة في حفظ العلم ونقله وتجديد النظر فيه.
ولعل ما يميز هذه المناسبة أيضا أن الاحتفاء بمحمد بن جبور لا يرتبط فقط بما أنجزه داخل قاعة المناقشة، وإنما بما يمثله في نظر عدد من تلامذته ومعارفه من نموذج للأستاذ الذي لا يفصل العلم عن السلوك، ولا المعرفة عن التواضع، ولا التدريس عن التربية.
فالعالم لا تقاس مكانته بعدد الشهادات التي يحملها فقط، وإنما بما يتركه في نفوس طلابه، وبما يقدمه من نموذج في التعامل والاختلاف والحوار. ومن هذه الزاوية، يحضر اسم محمد بن جبور لدى كثير من الذين عرفوه بوصفه أستاذا ومربيا، قبل أن يكون صاحب لقب أكاديمي جديد.
وتلك قيمة لا تقل أهمية عن قيمة البحث العلمي نفسه، لأن الجامعة لا تصنع العلماء بالمعرفة وحدها، وإنما تصنعهم أيضا بالقدرة على تحويل العلم إلى سلوك، والمعرفة إلى مسؤولية، والاختلاف إلى وسيلة للفهم لا إلى سبب للخصومة.
ومن هنا، فإن الحديث عن الأستاذ الدكتور محمد بن جبور باعتباره «مدرسة» ليس المقصود منه إطلاق عبارات المديح المجرد، بقدر ما هو تعبير عن أثر الأستاذ في أجيال من المتعلمين، وعن نموذج يرى في العلم أمانة قبل أن يكون مكانة، وفي التدريس رسالة قبل أن يكون وظيفة.
وتزداد دلالة هذا التتويج حين يأتي من جامعة القرويين، بما تحمله هذه المؤسسة من رمزية في تاريخ التعليم بالمغرب، وبما تمثله من امتداد لقرون من العطاء العلمي. أن يحصل الباحث داخل هذا الصرح على دكتوراه الدولة بميزة ممتاز، مع التنويه والتقدير والتوصية بالطبع، يعني أن العمل الأكاديمي الذي قدمه استطاع أن يستوفي شروطا علمية رفيعة وأن يحظى بتقدير لجنة المناقشة.
كما أن التوصية بطبع الأطروحة تمنح لهذا العمل بعدا يتجاوز لحظة المناقشة، إذ تفتح أمامه إمكانية الوصول إلى جمهور أوسع من الباحثين والمهتمين بالدراسات المتعلقة بالسيرة النبوية والتراث الإسلامي في الغرب الإسلامي.
وفي زمن تتسع فيه المسافة أحيانا بين المعرفة والسلوك، تظل قيمة الأستاذ الحقيقية في قدرته على الجمع بين الاثنين. فالعلم الذي لا يترك أثرا في الإنسان يبقى معرفة مجردة، أما حين يتحول إلى أخلاق وحوار واحترام للآخر، فإنه يصبح رسالة تتجاوز حدود الجامعة وقاعات الدرس.
ولهذا فإن الاحتفاء بمحمد بن جبور في هذه المناسبة ليس احتفاء بشهادة فحسب، بل احتفاء بمسار علمي وإنساني يرى فيه محبوه وتلامذته نموذجا للأستاذ الذي ظل وفيا للعلم وللقرويين وللسيرة النبوية، وحريصا على أن يكون ما يحمله من معرفة امتدادا لما تعلمه، لا مجرد لقب يضاف إلى اسمه.
هنيئا للأستاذ الدكتور محمد بن جبور بهذا الاستحقاق العلمي، وهنيئا لجامعة القرويين بهذا التتويج الذي يضاف إلى سجلها، ومزيدا من العطاء في خدمة العلم والسيرة النبوية والتراث العلمي المغربي، حتى تظل الشهادات العلمية جسرا إلى مزيد من البحث والإنتاج، لا محطة أخيرة في طريق المعرفة.




