لا تضعوا الدين في مواجهة لقمة العيش.. الفقر لا يهدد الجيب وحده بل يهز المجتمع كله

حين يقول عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إن وصول سعر اللحم إلى 140 درهما لا يمثل المشكلة الأهم بالنسبة للمغاربة، وإن الحفاظ على العقيدة والدين أهم من قضايا غلاء الأسعار واللحوم والدجاج، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: هل الدين أهم من اللحم؟ فهذا سؤال لا يحتاج إلى كثير من النقاش، لأن الدين قيمة روحية وأخلاقية كبرى في حياة الإنسان. السؤال الحقيقي هو: هل يمكن أن نضع الدين والفقر في خندقين متقابلين، وكأن المواطن مطالب بأن يختار بين عقيدته ولقمة عيشه؟
المشكلة في هذا النوع من الخطاب أنه قد يوحي بأن معاناة المواطن بسبب الغلاء قضية ثانوية، بينما الدين قضية كبرى. والحقيقة أن الإنسان لا يعيش بالعقيدة وحدها بمعناها المجرد، كما أنه لا يعيش بالخبز وحده. الإنسان يحتاج إلى الاثنين معا: يحتاج إلى الإيمان، لكنه يحتاج أيضا إلى الغذاء والسكن والعمل والدواء والتعليم والأمان والكرامة. وحين تتحول هذه الحاجات الأساسية إلى امتيازات لا يستطيع الفقير الوصول إليها، يصبح الحديث عن حماية القيم الدينية من دون الحديث عن حماية الإنسان نفسه حديثا ناقصا.
وليس المقصود هنا أن الفقر يجعل الإنسان كافرا، ولا أن كل فقير معرض للانحراف أو فقدان الإيمان. فهذا تعميم غير صحيح وظالم للفقراء، وفي التاريخ الإسلامي نماذج كثيرة لأناس عاشوا الفقر وحافظوا على إيمانهم وكرامتهم. لكن الفقر الشديد قد يضع الإنسان أمام اختبارات قاسية لا ينبغي الاستهانة بها. والعبارة المشهورة «كاد الفقر أن يكون كفرا» وإن كان الحديث الوارد بها ضعيفا من جهة الإسناد، فإن معناها الذي تداولته كتب العلماء يشير إلى خطورة الحاجة حين تدفع الإنسان إلى الحسد أو اليأس أو التذلل أو ارتكاب المحرمات أو ظلم الآخرين.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: كيف نطالب إنسانا لا يعرف هل سيأكل غدا أم لا بأن يفكر في الغد الروحي فقط؟
كيف نطلب من شاب عاطل عن العمل أن يحافظ على توازنه النفسي بينما يرى سنوات عمره تمر أمامه بلا وظيفة ولا دخل ولا أفق؟ كيف نطلب من أب عاجز عن توفير الحليب والدواء لأطفاله أن لا يشعر بالاختناق واليأس؟ كيف نطلب من أسرة تعيش تحت ضغط الكراء والفواتير والغذاء أن تنظر إلى ارتفاع الأسعار باعتباره مجرد تفصيل صغير لا يستحق الاهتمام؟
الفقر ليس مجرد رقم في تقرير اقتصادي. الفقر تجربة إنسانية كاملة. يبدأ من الجيب، لكنه لا يتوقف عنده. قد ينتقل إلى البيت، ثم إلى العلاقة بين الزوجين، ثم إلى تربية الأبناء، ثم إلى الصحة النفسية، ثم إلى المدرسة، ثم إلى الشارع. وعندما يطول الفقر والبطالة والإقصاء، قد تظهر معه ظواهر اجتماعية خطيرة، من التسول والاستغلال إلى الجريمة والعنف والانحراف وتفكك الأسر والهجرة السرية والإدمان.
ومن هنا فإن محاربة الفقر ليست قضية اقتصادية فقط، بل هي أيضا قضية اجتماعية وأخلاقية، بل وقضية مرتبطة بحماية الإنسان من السقوط في اليأس والانحراف. الإنسان الذي يجد عملا كريما، وأجرا يحفظ له كرامته، ومسكنًا لائقا، وغذاء يستطيع شراءه، وتعليما جيدا لأبنائه، يكون أكثر قدرة على بناء حياة مستقرة وأكثر قدرة على ممارسة دينه وواجباته الاجتماعية والنفسية في ظروف متوازنة.
ثم إن الإسلام نفسه لم ينظر إلى الفقر باعتباره مشكلة يمكن حلها بالوعظ وحده. فهناك الزكاة والصدقة والوقف والتكافل وتحريم أكل أموال الناس بالباطل والغش والاحتكار والربا والظلم. وهذه المنظومة كلها تقول إن المجتمع مسؤول عن ألا يتحول الإنسان إلى كائن مسحوق بسبب حاجته.
فما معنى أن نقول للفقير: اصبر، وتمسك بعقيدتك، بينما لا نسأل في الوقت نفسه: لماذا أصبح الطعام غاليا؟ لماذا أصبح السكن مرهقا؟ لماذا يجد الشاب صعوبة في الحصول على عمل؟ لماذا أصبح الدخل عاجزا عن مواكبة تكاليف الحياة؟
الصبر قيمة عظيمة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى كلمة تستخدم لإسكات الألم الاجتماعي. والتوكل على الله لا يعني ترك الإنسان وحيدا أمام الفقر. والإيمان لا يلغي مسؤولية الدولة والمجتمع والسياسات العمومية عن توفير شروط الحياة الكريمة.
بل إن السؤال الأهم ربما هو: أليس الدفاع عن كرامة الفقير جزءا من الدفاع عن الدين نفسه؟
حين تحفظ كرامة الإنسان، فأنت تحميه من أن يصبح سلعة في يد المستغلين. وحين توفر له عملا، فأنت تحميه من الحاجة إلى سؤال الناس. وحين تمنح أبناءه تعليما جيدا، فأنت تفتح أمامهم بابا للخروج من دائرة الفقر. وحين تحارب الفساد والاحتكار والاستغلال، فأنت تمنع المال من أن يتحول إلى أداة لإذلال الضعفاء.
والأخطر من الفقر نفسه هو أن يجد الفقير من يستغل فقره. فكم من إنسان يمكن أن يصبح ضحية لمن يدفعه إلى المخدرات أو الجريمة أو الاستغلال الجنسي أو الهجرة الخطرة أو التطرف أو التسول المنظم فقط لأنه يبحث عن مخرج من وضع لم يعد يحتمل؟
لهذا لا يصح أن ننظر إلى المواطن الفقير وكأنه أمام امتحان ديني فقط: «تمسك بدينك مهما حصل». بل ينبغي أن يكون السؤال أيضا: ماذا فعلنا نحن حتى لا نضعه في هذه المواجهة أصلا؟
إن المواطن الذي يشتغل ساعات طويلة بأجر لا يكفيه، والذي يعود إلى بيته وهو عاجز عن شراء اللحم لأسرته، لا يحتاج إلى من يسخر من شكواه أو يقلل من أهمية معاناته. يحتاج إلى من يسمعه. يحتاج إلى سياسات تخفف عنه. يحتاج إلى سوق أكثر عدلا، وأجور أفضل، ومنافسة حقيقية، ومحاربة الاحتكار، وفرص عمل، وحماية اجتماعية فعالة.
أما القول إن اللحم ليس أهم من العقيدة، فهو صحيح إذا كان المقصود أن الإنسان ليس مجرد مستهلك وأن القيم الروحية لا تقاس بثمن كيلوغرام من اللحم. لكنه يصبح ناقصا إذا استُخدم لتقليل شأن الغلاء أو معاناة المواطنين. لأن القضية ليست في قطعة اللحم وحدها، بل في قدرة الإنسان على العيش بكرامة.
الفقراء لا يطالبون بأن يصبح اللحم عبادة، ولا بأن تتحول الدنيا إلى جنة استهلاكية. إنهم يريدون فقط ألا يصبح شراء الضروريات معركة يومية، وألا يتحول الراتب إلى مجرد رقم يمر من يد العامل إلى صاحب الكراء والبقال وصاحب فاتورة الكهرباء ثم لا يبقى منه شيء.
والدين الذي يحمي العقيدة لا يمكن أن يكون في خصومة مع كرامة الإنسان. والدولة التي تريد مجتمعا متماسكا لا تستطيع أن تترك الفقر يتوسع ثم تطلب من الناس مواجهة نتائجه بالوعظ وحده.
لذلك، ربما علينا أن نعيد صياغة السؤال كله. ليس: هل اللحم أهم أم الدين؟ بل: كيف نحمي دين الإنسان وكرامته ومعيشته في الوقت نفسه؟
فالمواطن الذي يأكل جيدا ليس بالضرورة أكثر إيمانا، والفقير ليس بالضرورة أقل إيمانا. لكن الإنسان المنهك بالفقر أكثر عرضة للضغط والاستغلال واليأس، وهذه حقيقة اجتماعية لا ينبغي إنكارها.
إن العقيدة تحتاج إلى قلب مطمئن، والمجتمع يحتاج إلى عدالة، والأسرة تحتاج إلى دخل، والطفل يحتاج إلى غذاء وتعليم، والشاب يحتاج إلى عمل وأمل. ومن يريد أن يحمي الدين في المجتمع، فعليه أيضا أن يحمي الإنسان الذي يحمل هذا الدين من الجوع والإذلال واليأس.
فليس المطلوب أن نختار بين رغيف الخبز وكتاب العقيدة، وإنما المطلوب أن نبني مجتمعا يستطيع فيه الإنسان أن يحمل الاثنين معا: إيمانا يحفظ روحه، وكرامة تحفظ حياته.




