أقلام حرةالمغرب

البنزين الأبيض والبضاعة السوداء

قصة من وحي الخيال

في مدينة لا تنام إلا قليلاً، كان الليل ينزل على الأحياء الشعبية ببطء، فتختفي الأصوات العالية وتبقى أضواء المحطات مشتعلة، كأنها عيون لا تغلق. في أحد المقاهي القريبة من الطريق السيار، كان يجلس رجلان لا يشبه أحدهما الآخر في الظاهر، لكنهما كانا يعرفان بعضهما جيداً. الأول يدعى سالم، رجل أعمال اشتهر بتجارة المحروقات، يرتدي بدلات أنيقة ويتنقل في سيارات فاخرة، ويعرف كيف يدخل إلى المكاتب التي لا يدخلها الناس العاديون إلا بعد انتظار طويل. والثاني كان الجميع يناديه بـ”الظل”، رجلاً غامضاً يتحرك في الليل، لا يملك شركة ولا مكتباً ولا واجهة تجارية، لكنه يعرف جيداً كيف تنتقل البضاعة من يد إلى يد، ومن مدينة إلى أخرى، دون أن تترك وراءها فاتورة أو توقيعاً.

في تلك الليلة، وضع الظل هاتفه فوق الطاولة وقال لسالم: “أتعرف ما الفرق بيننا؟” رفع سالم عينيه عن فنجان القهوة وقال مبتسماً: “أنت تعمل في الظلام وأنا أعمل في الضوء.” ضحك الظل وقال: “لا، الفرق الحقيقي أنك تملك ورقة تثبت أن تجارتك قانونية، وأنا لا أملكها.” سكت سالم للحظة، ثم قال: “وهذا فرق كبير.” أجابه الظل: “ليس دائماً.”

لم يفهم سالم ما يقصده، أو ربما فهم لكنه لم يرغب في مواصلة الحديث. كان يعرف أن المدينة تحب تقسيم الأشياء إلى أبيض وأسود. هناك تاجر محترم وتاجر مجرم، رجل أعمال ومستغل، مستثمر ومضارب، صاحب شركة وصاحب شبكة. لكن الظل كان يرى الأشياء بطريقة أخرى. كان يقول دائماً إن العالم لا يحكم فقط على ما تبيع، بل على من أنت، ومن تعرف، ومن يفتح لك الباب عندما تغلق الأبواب في وجه الآخرين.

كان سالم يبيع المحروقات. شاحناته تسير في وضح النهار، ومستودعاته تحمل أسماء شركات، وموظفوه يرتدون الزي الرسمي، وأرقامه تظهر في الوثائق. أما الظل، فكان يبيع بضاعته في الظلام، ويغير السيارات باستمرار، ويتجنب الكاميرات، ويعرف أن أي خطأ صغير قد ينتهي به خلف القضبان.

ومع ذلك، كان الاثنان يتابعان الأخبار نفسها.

في صباح أحد الأيام، ارتفعت أسعار المحروقات، فبدأ المواطنون يتذمرون. ارتفعت كلفة النقل، ثم ارتفعت أسعار الخضر والمواد الغذائية، ثم ارتفع ثمن كل شيء تقريباً. خرج المسؤولون يشرحون أن الأمر مرتبط بالسوق الدولية، وأن الأسعار تخضع لمنطق العرض والطلب، وأن الدولة لا تستطيع أن تتحكم في كل شيء.

كان المواطن يستمع، ثم يعود إلى منزله ليفتح محفظته ويكتشف أن راتبه لم يرتفع بالسرعة نفسها التي ارتفعت بها الأسعار.

في تلك الليلة، اتصل الظل بسالم وقال له: “هل سمعت؟”

قال سالم: “ماذا؟”

قال الظل: “قالوا إن السوق هي السبب.”

ضحك سالم وقال: “وهل لديك تفسير آخر؟”

أجابه الظل: “أنا لا أعرف شيئاً عن السوق، لكنني أعرف شيئاً واحداً. عندما ترتفع أسعار بضاعتي، يقولون إنني أستغل حاجة الناس. وعندما ترتفع أسعار بضاعتك، يقولون إن السوق تغير.”

ساد الصمت بينهما.

كان السؤال بسيطاً، لكن جوابه لم يكن كذلك.

بعد أيام، تم توقيف الظل.

جاء الخبر في نشرات الأخبار بعناوين كبيرة: “تفكيك شبكة لترويج المخدرات”. تحدثت السلطات عن اليقظة الأمنية، وعن حماية المجتمع، وعن التصدي للجريمة المنظمة، وعن ضرورة تجفيف منابع المخدرات.

لم يعترض أحد.

كان من الطبيعي أن يصفق الناس لتوقيف شخص يبيع المخدرات، لأن المخدرات تدمر حياة الناس وتضرب الأسر وتستهدف الشباب.

لكن الظل، وهو داخل زنزانته، تذكر آخر حديث جمعه بسالم.

قال لنفسه: “كنت أعرف أنني سأصل إلى هنا.”

ثم ابتسم بسخرية وأضاف: “لكنني لم أكن أعرف أنني سأكون الوحيد الذي يحمل لقب المجرم.”

في الجهة الأخرى من المدينة، كان سالم يجلس في مكتبه يتابع الخبر على شاشة كبيرة. دخل مساعده وقال: “تم توقيف الرجل.”

سأل سالم: “أي رجل؟”

قال المساعد: “الظل.”

أجاب سالم بهدوء: “جيد.”

ثم عاد إلى ملف أمامه.

كان الملف يتعلق بأسعار المحروقات.

قال المساعد: “هناك بعض الانتقادات.”

رفع سالم رأسه وقال: “من ينتقد؟”

ـ الناس.

ـ وماذا يريدون؟

ـ يريدون أن تنخفض الأسعار.

ابتسم سالم وقال: “وهل يريد الناس دائماً ما هو ممكن؟”

لم يجب المساعد.

كان يعرف أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى جواب.

في اليوم التالي، خرج سالم إلى لقاء عمومي، وتحدث عن الاستثمار، وعن الاقتصاد، وعن ضرورة الحفاظ على توازن السوق، وعن أهمية المقاولة الوطنية، وعن التنافسية، وعن الاستقرار.

صفق الحاضرون.

كان الرجل يتحدث بلغة نظيفة، مرتبة، لا توجد فيها كلمة واحدة عن الظل، ولا عن الزنزانة، ولا عن المواطن الذي يقف أمام محطة الوقود وهو يحسب ما تبقى في جيبه.

وفي مكان آخر، كان الظل يجلس في غرفة ضيقة، ويضحك وهو يتذكر كيف كان سالم يتحدث عن القانون.

قال لأحد المعتقلين بجانبه: “تعرف ما الذي يثير السخرية؟”

قال الرجل: “ماذا؟”

أجاب الظل: “أنني عندما كنت أبيع بضاعتي في الليل، كنت أخاف من الشرطة. أما هو، فعندما يبيع بضاعته في النهار، يخاف من انخفاض الأرباح.”

قال الرجل: “لكن تجارتك ممنوعة.”

رد الظل: “صحيح.”

ثم سكت قليلاً وقال: “لكن السؤال ليس من الأفضل منا. السؤال لماذا يصبح المال أكثر احتراماً عندما يرتدي بدلة؟”

لم يجد الرجل جواباً.

مرت الأيام.

خرجت أخبار جديدة عن ارتفاع الأسعار، وأخبار أخرى عن توقيف شبكات المخدرات، وأخبار عن حملات لمحاربة الفساد، وأخبار عن اجتماعات لمناقشة القدرة الشرائية.

كان المواطن يسمع كل ذلك ويعود إلى حياته.

يدفع ثمن البنزين.

يدفع ثمن الطعام.

يدفع ثمن النقل.

ثم يدفع، بطريقة أو بأخرى، ثمن أخطاء الكبار.

ذات مساء، خرج سالم من مكتبه، فوجد رجلاً مسناً ينتظره أمام الباب.

قال الرجل: “أريد أن أسألك سؤالاً.”

أجاب سالم: “تفضل.”

قال المسن: “كم تربح من كل لتر؟”

تغير وجه سالم وقال: “هذا شأن تجاري.”

قال الرجل: “وكم أدفع أنا؟”

ـ السعر الموجود في المحطة.

ـ ومن يحدد السعر؟

ـ السوق.

ابتسم الرجل وقال: “غريب هذا السوق. كلما خسر المواطن، وجدتم له اسماً. مرة تقولون السوق، ومرة الأزمة الدولية، ومرة النقل، ومرة الضرائب. لكن عندما تربحون لا يقول أحد إن السوق أعطاكم المال، بل تقولون إنكم رجال أعمال ناجحون.”

ثم استدار وغادر.

بقي سالم واقفاً أمام الباب.

لأول مرة منذ سنوات، شعر أن جملة قصيرة يمكن أن تكون أثقل من تقرير اقتصادي كامل.

وفي تلك الليلة، عاد إلى منزله ولم يستطع النوم.

فتح التلفاز.

كانت الأخبار تتحدث عن توقيف شحنة جديدة من المخدرات.

ثم انتقلت إلى تقرير اقتصادي عن أسعار المحروقات.

ثم إلى تصريح سياسي عن حماية القدرة الشرائية.

ثم إلى إعلان عن برنامج جديد لدعم المواطنين.

أغلق التلفاز.

جلس في الظلام.

وفكر في الظل.

فكر في الرجل العجوز.

وفكر في آلاف السيارات التي تمر يومياً من أمام محطاته.

وفكر في الناس الذين لا يعرفون اسمه، لكنهم يعرفون جيداً سعر اللتر.

وفي الصباح، ذهب إلى مكتبه كعادته.

كان كل شيء في مكانه.

البدلة.

السيارة.

الهاتف.

الملفات.

الموظفون.

لكن شيئاً واحداً تغير.

فقد أصبح يسمع كلمة “السوق” بطريقة مختلفة.

وفي السجن، كان الظل ينتظر محاكمته.

لم يكن بريئاً، وكان يعرف ذلك.

لكنه كان يعرف شيئاً آخر أيضاً: أن المجتمع لا يستطيع أن يحارب الجريمة فقط عندما تكون في الأزقة، ويتجاهل الأسئلة عندما تدخل من الأبواب الواسعة.

لأن المخدرات تفسد الإنسان مباشرة، أما الجشع حين يتحول إلى نفوذ، فقد يفسد قواعد اللعبة كلها دون أن يترك رائحة في الشوارع.

وهكذا بقي الرجلان على طرفي المدينة.

أحدهما خلف القضبان لأنه باع بضاعة سوداء.

والآخر خلف الزجاج لأنه باع بضاعة بيضاء.

وبين الزنزانة والمكتب، كان المواطن يمشي في الطريق نفسه، يملأ سيارته بالوقود، ويمر بجانب الأزقة التي تباع فيها المخدرات، ثم يعود إلى بيته حاملاً السؤال نفسه:

إذا كان القانون يحاسب من يبيع السم في الظلام، فمن يحاسب من يستطيع أن يجعل مصلحة خاصة تبدو دائماً وكأنها مصلحة عامة؟

لم يكن السؤال موجهاً إلى سالم وحده.

ولم يكن موجهاً إلى الظل.

كان موجهاً إلى مدينة كاملة تعلمت، مع مرور الوقت، أن بعض التجارات تُدان لأنها ممنوعة، بينما تحتاج تجارات أخرى إلى لجنة، وتصريح، وندوة، وخبير، ومؤتمر صحفي، حتى يفهم الناس لماذا عليهم أن يدفعوا أكثر.

وفي نهاية القصة، لم يكن هناك بطل.

كان هناك فقط سوق كبير.

في طرفه رجل يبيع المخدرات ويخاف من الشرطة.

وفي طرفه الآخر رجل يبيع المحروقات ويخاف من المنافسة.

أما المواطن، فكان يقف في المنتصف، يدفع الفاتورة في الحالتين.

وهنا تنتهي القصة… أو ربما تبدأ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى