المغربصفرو

رئيس جماعة صفرو يهاجم حكومة الفراقشية وهو يلبس جلباب حزب الإستقلال الذي كان في الحكومة

تغيير الحزب حق سياسي، ولا أحد يطلب من السياسي أن يتزوج حزبا حتى الموت. لكن المشكل يبدأ حين يغير السياسي القميص، ثم يطلب من المواطن أن ينسى أين كان واقفا بالأمس.

رئيس جماعة صفرو الثاني، الذي كان في صفوف حزب أخنوش، خرج مع بداية الحملة الانتخابية ليهاجم الحكومة، ويتحدث عن حكومة وصفها بـ”حكومة الفراقشية وتضارب المصالح”، وحملها مسؤولية غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وما يعانيه المواطن من أزمات. وهنا، بصراحة، يمكن للمواطن أن يقول: كلام جميل، ولكن “اللي حرث جمل دكو”.

نحن لا نختلف معه في حقه في انتقاد الحكومة، بل قد نتفق معه في كثير مما قاله عن الغلاء وضغط المعيشة. لكن السؤال الذي لا يريد أحد أن يجيب عنه هو: إذا كانت هذه الحكومة بهذا السوء، فمن أين جاء صاحبنا؟ ألم يكن بالأمس في حزب مشارك فيها؟ ثم حين غادره، هل غادر الحكومة معه؟ أم أن الحكومة بقيت في الرباط بينما انتقلت معه الحقيبة الحزبية إلى مكان آخر؟

والأكثر إثارة للانتباه أن الرجل لم ينتقل إلى حزب موجود خارج دائرة الحكم، بل اختار حزب الاستقلال، وهو بدوره جزء من الحكومة. وهنا يصبح المشهد السياسي أقرب إلى ذلك المثل المغربي الشهير: “بدلنا العتبة ما بدلنا الدار”.

فإذا كانت الحكومة هي المسؤولة عن الغلاء وتراجع الدخل وتراكم المشاكل، وإذا كان حزب أخنوش شريكا فيها، فكيف أصبح حزب الاستقلال فجأة منصة مثالية لانتقاد الحكومة، وهو يجلس معها في نفس السفينة؟

هل المواطن مطالب بأن يصدق أن الحكومة سيئة عندما يكون السياسي في حزب، وتصبح جيدة عندما ينتقل إلى حزب آخر؟ وهل المسؤولية الحكومية تنتقل مع بطاقة العضوية، أم أن هناك ذاكرة سياسية ينبغي ألا تموت بمجرد انتهاء العضوية؟

المسألة هنا ليست “بدل الحزب”، فهذا أمر عادي في السياسة. المسألة أن السياسي يريد أن يغير الحزب وأن يحتفظ في الوقت نفسه بحقوق المعارضة، وكأنه يريد أن يلعب دور الحكومة والمعارضة في الوقت نفسه: ينتقد الحكومة أمام المواطنين، ثم يجلس معها داخلها عندما تنتهي الكاميرات. وهذا بالضبط ما يجعل المواطن يقول: “اللي بغا العسل يصبر لقريص النحل”.

ولو كان الانتقال إلى حزب معارض، لكان للخطاب معنى آخر. كان يمكن القول إن الرجل غادر صفوف الأغلبية احتجاجا على طريقة تدبيرها، واختار موقعا سياسيا جديدا يتيح له مساءلة الحكومة من خارجها. أما أن تغادر حزبا حكوميا إلى حزب حكومي آخر، ثم تقدم نفسك باعتبارك اكتشفت فجأة أن الحكومة هي أصل البلاء، فهنا يصبح السؤال مشروعا: واش تبدل الحزب ولا تبدل المنطق؟

السياسة ليست سوقا للخضر حتى يقول السياسي للمواطن: “هذا الحزب ما عجبنيش، خذ هذا الحزب الآخر، راه نفس السلعة ولكن الثمن مختلف”. المواطن اليوم أكثر وعيا مما يعتقد البعض، ويتذكر من كان مع من، ومن كان داخل الحكومة، ومن كان يصفق، ومن كان ينتقد، ومن لم يتذكر معاناة المواطن إلا عندما اقترب موعد الانتخابات.

والأدهى من ذلك أن المواطن الذي قيل له إن الغلاء سببه سياسات الحكومة، سيجد نفسه أمام حكومة تضم نفس المكونات تقريبا، لكن بوجوه وخطابات انتخابية مختلفة. وهنا ينطبق المثل المغربي: “حوتة وحدة كتخنز الشواري”؛ لأن المشكلة ليست في اسم الحزب وحده، وإنما في المسؤولية السياسية المشتركة التي لا يمكن محوها بتغيير اللون أو الشعار.

لذلك، لا أحد يعترض على تغيير القميص السياسي، لكن من حق المواطن أن يسأل عن سبب تغييره، وعن الموقف الذي صاحبه، وعن المسؤولية التي يتحملها صاحبه عن المرحلة السابقة. أما أن يتم الانتقال من حزب حكومي إلى حزب حكومي، ثم تقديم الأمر للمواطن وكأن صاحبه خرج للتو من المعارضة، فهذه ليست معارضة، وإنما محاولة لإعادة ترتيب الذاكرة قبل صناديق الاقتراع.

وفي السياسة المغربية، هناك مثل آخر يصلح تماما لهذا المشهد: “الوجه وجه الحجاج والقفا قفا السبع”.

المواطن لا يريد خطبا انتخابية مزينة، ولا يريد سياسيين يغيرون مواقعهم ثم يغيرون روايتهم معهم. يريد فقط جوابا بسيطا: إذا كانت الحكومة قد “قهرت المواطن” كما تقول، فأين كنت أنت عندما كانت هذه الحكومة تحكم؟ وإذا كنت جزءا من حزبها، فلماذا لم تقل ذلك بالأمس؟ وإذا كان حزبك الجديد جزءا من الحكومة نفسها، فماذا تغير اليوم غير البطاقة الحزبية؟

هنا بالضبط تنتهي الطرافة وتبدأ السياسة.

لأن المواطن قد ينسى اسم المرشح، وقد ينسى لون الحزب، لكنه لا ينسى من كان في الحكم عندما كان جيبه فارغا.

وكما يقول المغاربة: “ما كاين لا حوتة لا صنارة، غير الماء كيدور.”

أما تبديل القميص، فليكن. لكن لا تطلبوا من المواطن أن يبدل ذاكرته معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى