المغرب

الى عمدة مليلية المحتلة: لا تخلط بين فشل السياسات وحق الوطن

خوان خوسيه إمبرودا، عمدة مليلية المحتلة، يبدو أنه يريد ان يجعل من معاناة الشباب المغربي ورقة سياسية لتبرير استمرار احتلال سبتة ومليلية، حين تتساءل ما الفائدة التي ستعود على المغرب اذا استعاد المدينتين، وهو غير قادر حتى على تدبير ما يملك وشبابه يهربون منه؟ لكن دعنا نقول له شيئا واضحا: انت تخلط بين قضيتين لا علاقة لاحداهما بالاخرى. قضية سبتة ومليلية المحتلتين قضية ارض وسيادة ووطن، اما هجرة الشباب فهي قضية اجتماعية واقتصادية وسياسية مرتبطة بالبطالة وفشل بعض السياسات العمومية وغياب فرص حقيقية امام جزء من الشباب. لا يوجد مغربي، غنيا كان او فقيرا، عاطلا او موظفا، يربط بين حق بلده في ارضه وبين وضعه الاقتصادي. المغربي يستطيع ان ينتقد حكومته ويرفض سياساتها ويحتج على البطالة وغلاء المعيشة والفساد وتضارب المصالح، وفي الوقت نفسه يرفض الاحتلال رفضا قاطعا. وهذا بالضبط ما يبدو انك لا تريد فهمه.

نعم، هناك شباب مغاربة يحاولون الهجرة، ونعم هناك سياسات عمومية فشلت في خلق ما يكفي من فرص الشغل، ونعم هناك اختلالات وتضارب مصالح وقرارات تجعل المواطن يشعر احيانا بان بعض المسؤولين يرون مصالحهم ومصالح شبكاتهم قبل المصلحة العامة. وهنا يجب ان يكون نقدنا موجها الى الحكومة والسياسات التي دفعت جزءا من الشباب الى الياس. لكن لا تجعل من هذا الفشل السياسي والاقتصادي حجة لصالح الاحتلال. ففشل الحكومة لا يعني نجاح الاحتلال، وبطالة الشباب لا تمنح اسبانيا صكا لاحتلال الارض. بل سنذهب ابعد من ذلك: لولا فشل بعض السياسات، ولولا تضارب المصالح، ولولا وجود مسؤولين لا يضعون المصلحة الوطنية دائما فوق مصالحهم الخاصة والحزبية والاقتصادية، لما وجد عمدة مليلية المحتلة اصلا الفرصة ليفتح فمه ليعطي المغاربة دروسا في علاقتهم بوطنهم. لو كانت لدينا سياسات تشغيل اكثر نجاعة، واقتصاد اكثر عدلا، وربط حقيقي بين الثروة وفرص الشغل، وادارة لا تحكمها الحسابات الضيقة، لما وجدتم في هجرة الشباب المغربي مادة جاهزة لاستعمالها ضد المغرب. وهنا المسؤولية تقع ايضا على الحكومة المغربية، فالحكومة التي تريد من الشباب ان يبقى في وطنه مطالبة بان توفر له سببا مقنعا للبقاء.

ثم إن عمدة مليلية المحتلة، لا يتحدث وكأن اسبانيا وصلت الى ما هي عليه اليوم دون ان تمر من ازمات وفقر وبطالة وهجرة. اسبانيا نفسها عرفت فترات صعبة، وهاجر منها الاسبان بحثا عن العمل، وعاشت سنوات من الفقر والتفاوت والمشاكل الاقتصادية والسياسية. ولو طبقنا منطقه على اسبانيا في تلك الفترات، لكان من السهل على أي مغربي ان يقول للاسبان: كيف تتحدثون عن التنمية وانتم عاجزون عن توفير مستقبل لشبابكم؟ لكن هجرة الاسبان لم تكن تعني ان بلدا اخر اصبح صاحب الحق في ارضهم. فالهجرة لا تسقط السيادة، والبطالة لا تغير الجغرافيا، والفقر لا يمنح المحتل شرعية، والحكومة الفاشلة لا تجعل الاحتلال ناجحا. والاكثر اثارة للسخرية ان جزءا من الشباب المغربي الذي تتحدث عنه استفادت منه اسبانيا نفسها، فشباب مغربي يعمل في الفلاحة والبناء والخدمات والمطاعم والمصانع ومختلف القطاعات، ويساهم بعرقه وجهده في الاقتصاد الاسباني. فلا تستعملوا معاناتهم عندما تخدم خطابكم السياسي، ثم تنسوا انهم ايضا ساهموا في بناء اقتصاد البلد الذي تمثلونه.

اما المغرب، فنحن لا نحتاج الى الدفاع عن كل سياساته، بل ننتقد الحكومة حين تفشل، وننتقد المسؤول حين يضع مصلحته فوق المصلحة العامة، وننتقد تضارب المصالح والفساد والريع والزبونية، وننتقد سياسات التشغيل عندما تعجز عن استيعاب الشباب، وننتقد كل مسؤول يجعل المواطن يشعر ان الوطن ملك لفئة محدودة بينما يطلب من بقية المواطنين تحمل النتائج. لكن نقد المغرب لا يعني كراهية المغرب، والغضب من الحكومة لا يعني قبول الاحتلال، والبحث عن العمل في اوروبا لا يعني التنازل عن سبتة ومليلية المحتلتين. لذلك لا تجعلوا فشل بعض المسؤولين في تدبير الوطن مبررا لاستمرار احتلال جزء منه. فالحكومات تتغير والمسؤولون يرحلون والسياسات يمكن اصلاحها، اما الوطن فلا يباع بسبب فشل حكومة ولا يتنازل عنه لان شابا اضطر الى الهجرة. ولو كان بعض المسؤولين يرون الوطن قبل مصالحهم، ولو كانت السياسات اكثر عدلا ونجاعة، ولو لم تتحول المصلحة العامة احيانا الى اخر ما يفكر فيه، لما وجدتم اصلا هذه المساحة لتستغلوا فيها معاناة شبابنا. يا عمدة مليلية المحتلة، اصلحوا ما عندكم، ودعوا للمغاربة حق اصلاح ما عندهم، اما سبتة ومليلية فليستا ورقة انتخابية ولا مادة للمزايدة السياسية، بل قضية وطنية لا تسقطها البطالة ولا يغيرها فشل الحكومات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى