وزير النمدجة قريبا يودع التعليم.. فمن سيرث دفتر النماذج؟

يبدو أن حكاية “وزير النمدجة” تقترب من فصلها الأخير، بعد أن أصبح هذا اللقب الساخر حاضرا في التداول الشعبي كلما تعلق الأمر ببرامج وزارة التربية الوطنية وما رافقها من عبارات كبيرة ومشاريع حملت أسماء أكبر من حجمها أحيانا.
لم يكن المغاربة بحاجة إلى قاموس سياسي معقد حتى يطلقوا لقب “وزير النمدجة” على محمد سعد برادة، فقد تكفلت لغة البرامج نفسها بالمهمة. كل شيء كان قابلا لأن يتحول إلى نموذج: مدرسة نموذجية، مؤسسة نموذجية، تجربة نموذجية، مشروع نموذجي… حتى أصبح السؤال الساخر الذي يطرحه المواطن: وماذا بعد النموذج؟ وهل سننتقل يوما من النمذجة إلى مدرسة تشتغل بشكل طبيعي دون الحاجة إلى وصفها بأنها نموذجية؟
وبعيدا عن السخرية، فإن المشكلة الحقيقية لم تكن في استعمال كلمة “نموذجي” في حد ذاتها، وإنما في الفجوة التي قد يشعر بها المواطن بين لغة المشاريع والواقع اليومي للمدرسة. فالأسر تريد مدرسة جيدة، والتلميذ يريد قسما مناسبا وأستاذا وظروفا تساعده على التعلم، والمدرس يريد بيئة مهنية تتيح له القيام بعمله. وفي النهاية، لا أحد يطلب من المدرسة أن تكون “نموذجية” على الورق بقدر ما يريدها أن تكون جيدة في الحياة اليومية.
والأغرب أن بعض البرامج بدت وكأنها تحتاج إلى برنامج آخر لشرحها، ثم برنامجا ثالثا لتقييم البرنامج الثاني، وربما نموذجا تجريبيا لتجريب النموذج قبل تعميمه. وهنا كان لقب “وزير النمدجة” يجد طريقه بسهولة إلى النقاشات بين المواطنين، خصوصا عندما كانت اللغة الرسمية للمشاريع تبدو أحيانا أكثر سرعة من النتائج التي ينتظرها الناس.
اليوم، ومع اقتراب نهاية المرحلة الوزارية لبرادة في حال عدم استمراره ضمن الحكومة المقبلة، يبقى السؤال الساخر مشروعا: من سيرث “دفتر النماذج”؟ هل سيأتي وزير جديد ليعلن نماذج جديدة بأسماء جديدة، أم أن المرحلة المقبلة ستقرر أن المدرسة لا تحتاج إلى كثرة النماذج بقدر ما تحتاج إلى تنزيل هادئ وفعلي للإصلاح؟
فالوزير الجديد، أيا كان اسمه أو حزبه، سيجد أمامه قطاعا لا يسمح بالكثير من التجارب الخطابية. هناك تلاميذ ينتظرون نتائج ملموسة، ومدرسون ينتظرون حلولا لمشاكل مهنية، وأسر تريد أن تعرف هل ستمنح المدرسة أبناءها تعليما قادرا على فتح أبواب المستقبل.
وربما تكون أفضل طريقة لإنهاء عهد “النمدجة” هي أن تتوقف الوزارة عن محاولة إقناع المواطن بأن كل مشروع نموذج، وأن تبدأ في إقناعه بشيء أبسط بكثير: أن المدرسة تشتغل.
ففي النهاية، لا يحتاج التلميذ إلى مدرسة تحمل صفة “النموذجية” في البلاغات، وإنما إلى مدرسة يجد فيها أستاذا حاضرا، وقسما ملائما، ومناهج واضحة، وتعلمات حقيقية، وإدارة قادرة على مواكبة الجميع.
أما “وزير النمدجة”، فقد يبقى اللقب حيا في ذاكرة المغاربة حتى بعد مغادرة صاحبه للوزارة، ليس بالضرورة بسبب ما أراد أن يتركه من نماذج، وإنما بسبب الطريقة التي حول بها المواطنون لغة الإصلاح نفسها إلى مادة للسخرية.
ويبقى السؤال الأخير معلقا على باب الوزارة: هل سيأتي الوزير المقبل ومعه نموذج جديد، أم سيأتي هذه المرة ومعه حل؟



