«الخيار الديمقراطي».. ستة نواب في مواجهة برلمان الكبار

تدخل مجموعة «الخيار الديمقراطي» مجلس النواب في لحظة سياسية مختلفة، عنوانها الأبرز إعادة تشكل الخريطة البرلمانية بعد انتخابات 23 شتنبر، وما رافقها من إعادة ترتيب لمواقع الأغلبية والمعارضة. فالمجموعة الجديدة التي تضم ستة نواب ينتمون إلى أربعة أحزاب، وهي الإنصاف والديمقراطيون الجدد وجبهة القوى الديمقراطية والوحدة والديمقراطية، لا تدخل إلى مؤسسة تشريعية فارغة من القوى الكبرى، وإنما تجد نفسها وسط برلمان تتصدره كتلتان كبيرتان من حيث عدد المقاعد، مقابل معارضة تضم بدورها حزبين لهما وزن انتخابي وبرلماني واضح، هما التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية.
وبالنظر إلى الخريطة الحالية، فإن الأصالة والمعاصرة يتوفر على 97 مقعدا، والاستقلال على 65 مقعدا، فيما يتوفر التجمع الوطني للأحرار على 66 مقعدا والعدالة والتنمية على 54 مقعدا، بينما توزعت بقية المقاعد على عدد من الأحزاب الأخرى. وبذلك فإن خروج الأحرار إلى المعارضة لا يعني أن الأغلبية أصبحت بالضرورة ضعيفة، لأن الحسابات العددية تسمح بتشكيل أغلبية برلمانية مريحة من خلال تحالفات أخرى، خصوصا أن الأصالة والمعاصرة والاستقلال يتوفران معا على 162 مقعدا، أي أن الوصول إلى الأغلبية المطلقة يحتاج إلى استكمال 36 مقعدا فقط.
هذه المعادلة تحدد منذ البداية السقف الواقعي لتأثير «الخيار الديمقراطي». فالمجموعة، مهما بلغت درجة انسجامها، لا تملك العدد الذي يسمح لها بأن تكون رقما حاسما في تشكيل الأغلبية أو إسقاطها، ولا تبدو الحكومة المقبلة في حاجة إلى أصوات النواب الستة حتى تضمن وجود أغلبية داخل مجلس النواب. وبالتالي فإن الحديث عن المجموعة باعتبارها قوة قادرة على قلب الموازين سيكون مبالغة في قراءة وزنها العددي.
لكن السياسة البرلمانية لا تختزل دائما في الحساب العددي. فالمجموعة الجديدة تجمع عمليا نواب أحزاب صغيرة لم تستطع، كل واحدة منها على حدة، أن تفرض حضورا برلمانيا يتناسب مع طموحاتها السياسية. ومن خلال توحيد هؤلاء النواب داخل مجموعة واحدة، يصبح بإمكانهم الانتقال من وضعية الأصوات المتفرقة إلى إطار برلماني أكثر قدرة على التنسيق والحضور وطرح الملفات وممارسة الرقابة.
وهنا تحديدا تكمن المساحة التي يمكن أن يتحرك فيها «الخيار الديمقراطي». فالمجموعة لن تكون قادرة على منافسة الأصالة والمعاصرة أو الاستقلال في حجم التمثيلية، كما سيكون من الصعب عليها منافسة التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية في مجال المعارضة، إذا اختارت هذا الاتجاه. لكنها تستطيع أن تبحث عن موقع مختلف، يقوم على تقديم نفسها كصوت برلماني مستقل يركز على ملفات محددة ويعمل على بناء حضور نوعي بدلا من الدخول في منافسة عددية مع القوى الكبرى.
وتزداد صعوبة المهمة بسبب وجود حزبين كبيرين في المعارضة. فالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا والعدالة والتنمية بـ54 مقعدا يمتلكان قدرة أكبر على إنتاج خطاب معارض واسع، وتعبئة النواب حول القضايا السياسية الكبرى، ومواجهة الحكومة داخل الجلسات واللجان. لذلك فإن تحول «الخيار الديمقراطي» إلى مجرد مجموعة معارضة أخرى لن يمنحه بالضرورة حضورا خاصا، لأن المشهد المعارض نفسه سيكون مزدحما بقوتين كبيرتين نسبيا.
ومن هنا قد يكون التحدي الحقيقي أمام المجموعة هو ألا تحاول تقليد القوى الكبرى، بل أن تبني لنفسها وظيفة مختلفة داخل البرلمان. فإذا اختارت الانخراط في الأغلبية، فسيكون عليها أن تثبت أن وجودها لا يقتصر على توفير أصوات إضافية للحكومة، وإنما يمكن أن يتحول إلى قوة اقتراحية تدافع عن ملفات ومناطق وفئات محددة. وإذا اختارت المعارضة، فستحتاج إلى تقديم خطاب مختلف عن الخطاب الذي سيصدر عن الأحرار والعدالة والتنمية. أما إذا اختارت موقعا مستقلا، فإنها ستكون أمام تجربة أكثر تعقيدا، لأنها ستحتاج إلى تحديد مواقفها من كل ملف على حدة دون أن تفقد وضوحها السياسي.
وهذا الموقع الأخير يمكن أن يمنح المجموعة مساحة للحركة، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها مستوى مرتفعا من الانضباط الداخلي. فالنواب الستة لا ينتمون إلى حزب واحد، وإنما إلى أربعة أحزاب، وهو ما يعني أن الاتفاق على تشكيل المجموعة شيء، والاتفاق على جميع المواقف السياسية والتشريعية شيء آخر. وستظهر قوة المجموعة فعليا عندما تصل القضايا إلى مرحلة التصويت، خصوصا في الملفات التي تثير خلافا بين الأغلبية والمعارضة.
فإذا تمكن النواب الستة من الاتفاق على مواقف مشتركة، وأصبح تصويتهم جماعيا في الملفات الأساسية، فإنهم سيكتسبون قيمة سياسية أكبر من مجرد مجموع أرقامهم. أما إذا ظل كل نائب يتحرك وفق حساباته الحزبية الخاصة، فقد يتحول الإطار الجديد إلى مجرد صيغة تنظيمية داخل مجلس النواب دون أن ينتج عنه وزن سياسي مستقل.
كما أن حضور المجموعة لن يقاس فقط بعدد الأصوات التي يمكن أن تضيفها إلى هذا الطرف أو ذاك، وإنما بقدرتها على استخدام الأدوات البرلمانية المتاحة لها. فالأسئلة الشفوية والكتابية، واللجان، ومقترحات القوانين، والتعديلات، ومناقشة السياسات العمومية، كلها مجالات يمكن أن تسمح لمجموعة صغيرة ببناء حضور يتجاوز حجمها العددي إذا أحسنت اختيار الملفات واستمرت في متابعتها.
وفي هذا السياق، يمكن أن يصبح التركيز على القضايا الاجتماعية والتنموية والمجالية مدخلا لبناء هوية المجموعة. فالبرلمان لا يشتغل فقط على الصراع بين الأغلبية والمعارضة، بل يشكل أيضا فضاء للترافع عن التعليم والصحة والتشغيل والشباب والتنمية المحلية والفوارق المجالية وغيرها من الملفات التي تسمح للنائب بإنتاج حضور سياسي قائم على العمل البرلماني وليس فقط على الاصطفاف الحزبي.
ولذلك فإن ولادة «الخيار الديمقراطي» يمكن قراءتها أيضا باعتبارها محاولة من أحزاب صغيرة لتجاوز محدودية حضورها الفردي داخل البرلمان. فالنواب الستة، إذا ظلوا منفردين، سيكون من الصعب عليهم منافسة الفرق الكبيرة في الحضور المؤسساتي والإعلامي، لكن اجتماعهم في مجموعة واحدة يتيح لهم على الأقل بناء عنوان برلماني موحد، وتنسيق المواقف، وتوزيع الملفات، وربما صياغة أجندة مشتركة.
غير أن نجاح هذه التجربة لن يتحدد في لحظة الإعلان عنها، بل خلال الأشهر الأولى من الولاية التشريعية، عندما تبدأ القوانين الكبرى في الوصول إلى البرلمان، وعندما تظهر أولى الخلافات بين مكونات الأغلبية، وعندما تخوض المعارضة أولى معاركها السياسية، وعندما يصبح النواب أمام اختيارات فعلية لا أمام مجرد إعلان عن تشكيل مجموعة.
ففي تلك اللحظة ستتضح قيمة «الخيار الديمقراطي»: هل هو إطار لجمع ستة نواب فقط، أم نواة لتجربة برلمانية لها مواقف واضحة؟ وهل سيختار أعضاؤه الاصطفاف إلى جانب الأغلبية، أم المعارضة، أم بناء مساحة مستقلة بينهم؟ وهل سيستطيعون الحفاظ على وحدة المجموعة رغم اختلاف انتماءاتهم الحزبية؟
في المشهد الحالي، لا تملك المجموعة العدد الذي يجعلها قوة مقررة في البرلمان، كما أن الأغلبية لا تحتاج إليها بالضرورة حتى تضمن تفوقها العددي، في الوقت الذي توجد فيه معارضة تضم التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، وهما حزبان يملكان حضورا عدديا وسياسيا أكبر بكثير. لكن ذلك كله لا يمنع المجموعة من صناعة حضورها الخاص إذا اختارت طريقا مختلفا يقوم على العمل البرلماني المنتظم والتنسيق الداخلي والاشتغال على ملفات واضحة.
وبذلك فإن أهمية «الخيار الديمقراطي» لن تكون في عدد النواب الستة، وإنما في الطريقة التي سيستثمرون بها هذا العدد. فإذا بقيت المجموعة مجرد تجميع حسابي لنواب ينتمون إلى أربعة أحزاب، فلن يتجاوز تأثيرها حجمها العددي. أما إذا استطاعت أن تتحول إلى صوت موحد له أجندة ومواقف وأدوات اشتغال واضحة، فقد تفرض وجودها داخل برلمان يهيمن عليه الكبار، ليس باعتبارها قوة قادرة على تغيير موازين الأغلبية، وإنما باعتبارها مجموعة قادرة على إنتاج موقف مستقل وجعل حضورها البرلماني أكثر من مجرد ستة مقاعد.




