بين سياج سبتة وأمواج الموت: حين تتحول الهجرة السرية إلى جنازة مؤجلة

مرة أخرى، تعود مدينة سبتة إلى واجهة الأخبار، ليس باعتبارها مجرد نقطة حدودية متوترة، بل كمساحة معلقة بين حلم العبور وكابوس الغرق. ثمانية مهاجرين تمكنوا من تجاوز السياج الحدودي، وآخرون خاطروا بأجسادهم وسط الأمواج للوصول إلى الضفة الأخرى، بينما انتهت رحلة شاب جزائري في التاسعة عشرة داخل قبر بدل مركز إيواء.
المشهد يتكرر بطريقة تكاد تبدو اعتيادية، رغم أنه يحمل في كل مرة المأساة نفسها: شباب يهربون من واقع اقتصادي واجتماعي خانق، فيجدون أنفسهم أمام أسلاك شائكة، أو مياه باردة لا ترحم. وفي المقابل، تتحدث السلطات الإسبانية عن “أنظمة مراقبة متطورة” وكاميرات وأجهزة أمنية، وكأن التكنولوجيا قادرة وحدها على إيقاف اليأس البشري عندما يصل إلى أقصى درجاته.
الهجرة غير النظامية لم تعد مجرد ظاهرة حدودية، بل أصبحت مرآة عميقة لأزمات متعددة؛ بطالة، انسداد اجتماعي، تفاوت اقتصادي، وصناعة جماعية للوهم الأوروبي الذي يُباع يوميا عبر الهواتف وشبكات التواصل الاجتماعي. فالكثير من الشباب لم يعودوا يرون في البحر خطرا، بل فرصة أخيرة. وحين يصبح الموت أقل قسوة من البقاء، تتحول الأمواج إلى طريق محتمل للحياة، حتى لو انتهى بجثة مجهولة على الشاطئ.
قصة الشاب الجزائري عبد الرؤوف عليوط ليست استثناء، بل واحدة من عشرات القصص التي تمر بصمت. شاب في عمر يفترض أن يكون مليئا بالدراسة والأحلام والتجارب الأولى، انتهى به المطاف غريقا قرب الحاجز البحري. لا أحد يعرف تماما ماذا كان يفكر فيه وهو يواجه البحر، لكن المؤكد أن فكرة الوصول كانت أقوى من خوفه من الموت.
المفارقة القاسية أن الحدود اليوم أصبحت أكثر صلابة من أي وقت مضى، لكن محاولات العبور لا تتوقف. كلما ارتفع السياج، ارتفع معه منسوب المخاطرة. وكلما زادت المراقبة، ظهرت طرق أكثر خطورة: سباحة ليلية، قوارب متهالكة، اختباء داخل الشاحنات، أو تسلق الأسلاك الحديدية بأجساد منهكة.
ورغم الطابع الأمني الذي يطغى على ملف الهجرة، فإن الحقيقة الأعمق تبقى إنسانية. فخلف كل مهاجر حكاية عائلة، ومدينة مهمشة، وأم تنتظر مكالمة، أو أب يعلق آماله على “الجهة الأخرى”. ولذلك، فإن التعامل مع الظاهرة بمنطق الردع وحده لا يكفي، لأن الجوع والإحباط لا يخافان كثيرا من الكاميرات ولا من الأسلاك الشائكة.
دفن الشاب الجزائري في مقبرة سيدي مبارك بحضور متطوعين وسكان محليين حمل صورة مختلفة وسط هذا المشهد القاسي؛ صورة تضامن إنساني عابر للحدود، يؤكد أن الموت، على الأقل، ما زال قادرا على تذكير البشر بأن المهاجر ليس رقما في تقرير أمني، بل إنسان كان يبحث عن فرصة للحياة، فانتهى به الطريق إلى البحر.




