تصريحات الفايد.. لماذا استحضار الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا التوقيت؟

المشكل اليوم ليس في الجمعية التي اختارت اللجوء إلى القضاء، ولا في حقها في طلب التوضيحات حول تصريحات ومواقف أثارت جدلا واسعا، وإنما السؤال الحقيقي يجب أن يوجه إلى صاحب التصريحات نفسه: لماذا اختار محمد الفايد الخوض في قضايا شديدة الحساسية مرتبطة بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا التوقيت بالذات؟
فالحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وعن الدين ليس حديثا عاديا يمكن إطلاقه بلا حساب لتبعاته. إنه موضوع يمس وجدان المغاربة، ويستحضر رموزا ومعتقدات لها مكانة عميقة في المجتمع، ولذلك فإن من يتناول هذه القضايا مطالب بقدر كبير من المسؤولية والدقة، خصوصا عندما يكون واعيا بأن تصريحاته ستحدث ضجة وتفتح الباب أمام سجال واسع.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا تظهر بين الفينة والأخرى مثل هذه التصريحات الاستفزازية، ولماذا غالبا ما تتزامن مع لحظات يكون فيها الرأي العام منشغلا بمحطات سياسية واجتماعية مفصلية؟
نحن اليوم على أبواب استحقاق انتخابي مهم، والمواطن المغربي يعيش وسط ملفات أكثر إلحاحا: الغلاء، البطالة، ضعف القدرة الشرائية، مشاكل الصحة والتعليم، أزمة السكن، وتراجع الثقة في الخطاب السياسي. وفي مثل هذه المرحلة، يفترض أن يكون النقاش العمومي منصبا على البرامج والحلول والمسؤوليات، لا على معارك جانبية قادرة على تقسيم المجتمع واستنزاف اهتمامه.
ولذلك فإن من حق المواطن أن يتساءل: ما الحاجة إلى إثارة قضايا دينية حساسة في هذا الظرف بالذات؟ وما الفائدة التي سيجنيها المجتمع من تصريحات يعرف صاحبها مسبقا أنها ستستفز شريحة واسعة من المغاربة وتدفعهم إلى الدخول في نقاشات حادة؟
حرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية، والاختلاف في الرأي لا يعني أن كل شيء مباح من دون مراعاة للسياق الاجتماعي والثقافي. بل إن الشخص الذي يحظى بمتابعة واسعة يتحمل مسؤولية أكبر عندما يتحدث في قضايا تمس المقدسات والمشاعر الدينية.
المطلوب هنا ليس إسكات أحد، ولا منع النقاش، ولا تحويل القضاء إلى أداة لمعاقبة الآراء لمجرد أنها مثيرة للجدل. المطلوب ببساطة هو أن يتحمل كل شخص مسؤولية ما يقول، وأن يدرك أن بعض المواضيع لا تحتمل منطق الإثارة وصناعة الترند، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالرسول صلى الله عليه وسلم.
أما أن تظهر تصريحات مستفزة في كل مرة، ثم ينشغل المجتمع بتداعياتها، وتتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتراشق، بينما تتراجع القضايا التي تهم المواطن فعلا إلى الخلفية، فهنا يصبح من المشروع طرح سؤال التوقيت والجدوى.
ولا يعني طرح هذا السؤال اتهام الفايد أو غيره بوجود أجندة خفية، فذلك يحتاج إلى أدلة لا إلى مجرد انطباعات. لكن التوقيت يظل عنصرا مشروعا للتحليل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتصريحات من شأنها أن تشعل نقاشا واسعا في مجتمع حساس تجاه قضايا الدين والرسول صلى الله عليه وسلم.
المغرب اليوم يحتاج إلى نقاش هادئ ومسؤول، وإلى معارك حقيقية حول مستقبل المواطن، لا إلى استفزازات تفتح جبهات جديدة داخل المجتمع.
وإذا كان لكل شخص الحق في التعبير عن أفكاره، فإن للمجتمع أيضا الحق في أن يسأل: لماذا الآن؟ ولماذا هذه القضايا بالذات؟ ومن المستفيد من تحويل أنظار المواطنين، في لحظة سياسية مفصلية، من الأسئلة التي تمس حياتهم اليومية إلى سجالات دينية شديدة الحساسية؟
إن احترام الرسول صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن يكون مادة للمزايدات، كما أن الدين لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لصناعة الشهرة أو استقطاب المتابعين. وفي المقابل، فإن معالجة أي تصريحات مثيرة للجدل يجب أن تتم بالعقل والقانون والمسؤولية، بعيدا عن التحريض والتشهير.
فالاختلاف يمكن أن يكون صحيا، والنقاش يمكن أن يكون ضروريا، لكن الاستفزاز من أجل الاستفزاز لا يبني نقاشا، بل يصنع ضجيجا. وفي زمن الانتخابات، حيث يحتاج المواطن إلى سماع الحقيقة حول واقعه ومستقبله، فإن السؤال الأكبر يبقى: هل نحن أمام نقاش ضروري، أم أمام معارك جانبية تسرق من المواطن حقه في أن يناقش ما يهمه فعلا؟




