المغرب

بين فوضى الأسواق وصمت القرار… إلى متى تستمر مهزلة “الدفع المسبق” في قطاع السمك؟


في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، أعلنت الكنفدرالية المغربية لتجار السمك بالجملة مقاطعة عمليات البيع بالمزاد العلني عبر مختلف موانئ المملكة، احتجاجًا على فرض العمل بنظام “الدفع المسبق”. قرارٌ يعكس حجم الاحتقان داخل قطاع حيوي، لكنه في الآن ذاته يكشف عمق الاختلالات البنيوية التي ما تزال تنخر منظومة تسويق المنتوجات البحرية بالمغرب.
هذا الإجراء، الذي قُدم على أنه محاولة لتنظيم المعاملات والحد من التلاعبات، تحول في نظر المهنيين إلى عبء إضافي يهدد استمرارية نشاطهم. فالتاجر، الذي كان يعتمد على دورة مالية مرنة، أصبح مطالبًا بتوفير سيولة مسبقة في بيئة اقتصادية تعاني أصلاً من شح التمويل وارتفاع التكاليف. والنتيجة؟ شلل جزئي في الأسواق، وارتفاع محتمل في الأسعار، ومواطن يُؤدى الثمن في نهاية المطاف.
لكن، هل المشكلة في “الدفع المسبق” فقط؟ أم أن هذا القرار ليس سوى قشرة تخفي وراءها أعطابًا أعمق؟
واقع الحال أن قطاع الصيد البحري وتسويق السمك بالمغرب ظل لسنوات طويلة مجالًا خصبًا للوسطاء والمضاربين، حيث تتداخل المصالح وتغيب الشفافية في تحديد الأسعار. فبين الميناء وسوق التقسيط، تمر السمكة عبر سلسلة طويلة من الوسطاء، ما يفتح الباب أمام المضاربة ورفع الأسعار بشكل غير مبرر، رغم وفرة الإنتاج في بعض الفترات.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو أن القرارات التنظيمية غالبًا ما تُتخذ بشكل فوقي، دون إشراك فعلي للمهنيين، أو مراعاة لتوازنات السوق. وهو ما يفسر تكرار الأزمات، من ارتفاع الأسعار، إلى احتجاجات التجار، وصولًا إلى مقاطعات تشل حركة البيع.
المفارقة أن المغرب، الذي يتوفر على واجهتين بحريتين وثروة سمكية هائلة، ما يزال عاجزًا عن ضمان استقرار أسعار السمك في السوق الداخلية. فكيف يُعقل أن تكون “السردين” — رمز المائدة الشعبية — سلعة موسمية في متناول الفقراء؟ وكيف يتحول “السمك” إلى مادة شبه فاخرة في بلد يُعد من كبار منتجيه عالميًا؟
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف تقني حول آلية أداء، بل هو انعكاس لأزمة حكامة حقيقية. أزمة تتطلب تدخلًا حازمًا يعيد ترتيب القطاع من جذوره، عبر:
فرض شفافية حقيقية في مسارات البيع والتوزيع
تقليص عدد الوسطاء وربط المسؤولية بالمحاسبة
إشراك المهنيين في صياغة القرارات التنظيمية
حماية القدرة الشرائية للمواطن كأولوية لا تقبل المساومة
فالسؤال لم يعد: متى تنتهي هذه المهزلة؟
بل: هل هناك إرادة حقيقية لإنهائها أصلًا؟
إلى أن يتحقق ذلك، سيظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف، يؤدي ثمن صراعات لا ناقة له فيها ولا جمل، بينما تستمر لعبة شد الحبل بين قرارات فوقية وواقع ميداني يرفض الانصياع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى