المغرب

وزارة للرياضة؟ المواطن يريد أن يعيش أولاً

اقترح حزب الحركة الشعبية إحداث وزارة للرياضة قائمة بذاتها، وإطلاق سياسة رياضية وطنية جديدة تحت اسم «التعاقد الحركي»، في سياق الاستعدادات المغربية لاحتضان تظاهرات كروية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030. اقتراح قد يبدو جميلاً على الورق، لكنه يطرح سؤالاً بسيطاً ومزعجاً: هل كانت مشكلة الرياضة المغربية طوال هذه السنوات هي غياب وزارة مستقلة؟

أم أن البلاد تعاني من شيء آخر اسمه غياب الحكامة، وضعف التقييم، وتداخل الاختصاصات، وسوء تدبير بعض الموارد، وغياب المحاسبة عن النتائج؟ فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى عبقرية سياسية كبيرة حتى يسأل: إذا كانت الرياضة تحتاج إلى وزارة جديدة، فأين ذهبت كل الميزانيات التي صُرفت عليها خلال السنوات الماضية؟ وماذا كانت حصيلتها؟ ومن سيحاسب المسؤولين عن الاختلالات، إن وُجدت، قبل أن نفتح باباً جديداً للإنفاق العمومي؟

لا أحد ضد الرياضة، بل على العكس، الرياضة قطاع استراتيجي، وهي وسيلة لتأطير الشباب وحمايتهم من الانحراف، وصناعة الأبطال، وتحسين الصحة، وخلق فرص اقتصادية، وتعزيز صورة المغرب عالمياً. كما أن استضافة كأس العالم 2030 فرصة تاريخية يجب استثمارها بأفضل طريقة ممكنة. لكن تحويل كل استحقاق رياضي إلى ذريعة لإحداث هياكل جديدة قد يجعل المواطن يتساءل: هل نبحث فعلاً عن تطوير الرياضة، أم نبحث عن إضافة وزارة جديدة إلى قائمة الوزارات؟

المشكلة ليست في اسم الوزارة، وإنما في السياسة التي ستطبقها، وفي المال الذي ستنفقه، وفي النتائج التي سيحصل عليها المواطن. فإذا كانت الوزارة الجديدة ستعني مزيداً من المكاتب والسيارات والتعويضات والمناصب والميزانيات، بينما يبقى الطفل في القرى والأحياء الشعبية يبحث عن ملعب صالح لممارسة كرة القدم، وتظل الأندية الصغيرة تكافح من أجل البقاء، والرياضة المدرسية تعاني، فماذا تغير إذن؟

وهنا يجب أن يكون السؤال أكثر صراحة: هل المواطن المغربي مستعد لتحمل فاتورة سياسة رياضية جديدة بينما يواجه أصلاً ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن والنقل والتعليم والعلاج؟ هل نريد أن نقنع المواطن الذي يعجز عن توفير أبسط ضروريات الحياة بأن الحل هو وزارة رياضة جديدة؟ وهل نريد أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها المواطن مطالباً ببيع ملابسه حتى نمول له وزارة أخرى؟

المواطن لا يعارض أن تستثمر الدولة في الرياضة، ولكنه يريد أن يعرف أين تذهب أمواله، وما هي النتائج التي تحققت بها. يريد ملاعب القرب في الأحياء، ومرافق رياضية في العالم القروي، ودعماً عادلاً وشفافاً للأندية، وتشجيعاً حقيقياً للرياضة المدرسية والجامعية، وتكويناً للأطر، واكتشافاً للمواهب، لا مجرد مشاريع ضخمة تلمع عند اقتراب المناسبات الدولية.

أما كأس العالم 2030، فلا ينبغي أن يتحول إلى ورقة انتخابية يكتب عليها كل حزب ما يشاء من الوعود. هذه تظاهرة وطنية كبرى، وينبغي أن تكون إرثاً للمغاربة جميعاً، لا مناسبة لتوسيع البيروقراطية أو توزيع الوعود السياسية.

وقبل أن نقول للمغاربة إننا بحاجة إلى «سياسة رياضية وطنية جديدة»، من حقهم أن يسألوا: ماذا عن السياسات الرياضية السابقة؟ ماذا أنجزت؟ كم كلفت؟ أين وصلت المشاريع؟ ومن استفاد؟ وما الذي فشل؟ ولماذا؟

فليس من المنطقي أن يكون الحل عند كل مشكلة هو إنشاء مؤسسة جديدة أو إطلاق استراتيجية جديدة أو اختيار اسم جديد. البلد يحتاج قبل كل شيء إلى تقييم ما هو موجود، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاح، ومحاسبة من ثبت تقصيره، وتوجيه المال العام إلى حيث يحتاجه المواطن فعلاً.

الرياضة مهمة، نعم، وكأس العالم مهم، نعم، ولكن المواطن أهم. وإذا كان الاختيار بين وزارة جديدة وبين ملعب قرب في حي شعبي، أو بين مكتب إداري جديد وبين دعم نادٍ محلي، أو بين استراتيجية جديدة وبين تجهيز مؤسسة رياضية في قرية نائية، فإن الأولوية ينبغي أن تكون واضحة.

المغربي لا يريد المزيد من الشعارات، ولا يريد أن يسمع كل موسم انتخابي عن «مشروع جديد» و«سياسة جديدة» و«تعاقد جديد». يريد أن يرى نتائج ملموسة أمامه. يريد أن يعرف أين تذهب أموال الدولة، وكيف تُصرف، ومن يتحمل المسؤولية عندما لا تحقق المشاريع أهدافها.

باختصار، لا أحد ضد الرياضة، ولكن المواطن ضد أن تتحول الرياضة إلى عنوان جديد للإنفاق بلا حساب. قبل أن تطالبونا بوزارة جديدة، قدموا لنا حساباً واضحاً عن القديم. وقبل أن تعدونا بسياسة رياضية جديدة، أخبرونا ماذا فعلتم بالسياسات التي سبقتها. وقبل أن تطلبوا من المواطن أن يصفق لمشاريع كأس العالم، تأكدوا أولاً أنه قادر على مواجهة تكاليف حياته اليومية.

لأن المواطن في النهاية لا يريد وزارة إضافية فوق رأسه، ولا يحتاج إلى مزيد من الكراسي والمكاتب؛ يريد عملاً، وسكناً، وقدرة على العيش بكرامة، ثم بعد ذلك يمكنه أن يشجع المنتخب ويحتفل بكأس العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى