قبل الحديث عن مناصب الشغل.. من ينصف حراس الأمن الخاص؟

في الوقت الذي تتسابق فيه الخطابات الرسمية والسياسية على الحديث عن الاستثمار وخلق فرص الشغل ومحاربة البطالة، تبرز ملفات اجتماعية تطرح سؤالا بسيطا لكنه ثقيل: ماذا عن حقوق أولئك الذين يشتغلون اليوم فعلا، ويقضون ساعات طويلة في مواقع العمل مقابل أجور محدودة؟
هذا السؤال عاد إلى الواجهة من بوابة حراس الأمن الخاص العاملين بالمؤسسات التابعة لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل بجهة الدار البيضاء سطات، بعدما أعلنت النقابة الوطنية لأعوان الحراسة الخاصة والنظافة والطبخ بالكونفدرالية الديمقراطية للشغل توصلها بشكايات ومعطيات تتحدث عن مستحقات لم تتم تسويتها لفائدة عدد من الحراس.
وبحسب المعطيات التي طرحتها النقابة، فإن الأمر يتعلق، من بين ما يتعلق به، بتعويضات مرتبطة بالعطلة السنوية وأجرة 13 يوما لفائدة حراس الأمن الخاص بعد انتهاء الصفقة السابقة، قبل أن تستمر الإشكالات، وفق المصدر نفسه، مع تجديد العقد المرتبط بالمؤسسة.
المسألة هنا لا ينبغي اختزالها في خلاف عابر بين أجراء وشركة أو في تفاصيل تقنية مرتبطة بصفقة عمومية. لأن العامل الذي يؤدي مهامه يوميا لا يعيش بمنطق الصفقات ولا بتواريخ انتهائها وتجديدها، وإنما يعيش من أجره، ومن التعويضات التي يكفلها له القانون، ومن حقه في ساعات عمل واضحة وأجر يحفظ الحد الأدنى من كرامته الاجتماعية.
والأكثر إثارة للانتباه أن الحديث عن حماية حقوق العمال يأتي في قطاع يعرف أصلا هشاشة كبيرة، خصوصا بالنسبة لحراس الأمن الخاص الذين يشتغلون في ظروف تتطلب الحضور والانضباط والمسؤولية، بينما تظل أوضاعهم الاجتماعية والمهنية في كثير من الحالات محل نقاش واسع.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس فقط: كم منصب شغل تم خلقه؟ بل أيضا: ما طبيعة هذه المناصب؟ وما الأجر الذي يتقاضاه أصحابها؟ وكم ساعة يعملون؟ وهل يحصلون على جميع مستحقاتهم؟ وهل تحترم الشركات المتعاقدة معهم مقتضيات مدونة الشغل والالتزامات المرتبطة بالصفقات العمومية؟
فلا معنى للاحتفال بعدد المناصب المعلنة إذا كان جزء من العمال الذين يشغلونها يجدون أنفسهم في نهاية المطاف أمام مستحقات عالقة أو ساعات عمل تتجاوز ما يسمح به القانون أو أجور لا تعكس حجم المجهود المبذول.
وإذا كانت المعطيات التي وضعتها النقابة أمام الجهات المختصة صحيحة، فإن المطلوب ليس إصدار بيانات جديدة ولا تقديم وعود جديدة، وإنما فتح تحقيق فعلي ومسؤول، والاستماع إلى الحراس المعنيين، والاطلاع على العقود وكشوف الأجور وساعات العمل، ثم ترتيب المسؤوليات القانونية على ضوء ما ستكشف عنه عملية التحقق.
كما أن مكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، باعتباره مؤسسة عمومية ترتبط بها هذه الصفقات، معني بدوره بأن تكون الشروط الاجتماعية المرتبطة بتنفيذ العقود محل تتبع جدي، حتى لا تتحول الصفقة العمومية من وسيلة لتقديم خدمة عمومية إلى حلقة تضعف فيها حقوق الأجراء بين المقاول المتعاقد والإدارة المستفيدة.
الرسالة في النهاية بسيطة: قبل أن تقدموا للمغاربة أرقاما جديدة عن مناصب الشغل، أنصفوا العمال الذين يشتغلون بالفعل.
فالعمل ليس مجرد رقم يضاف إلى حصيلة حكومية، والحارس الذي يقف ساعات طويلة أمام مؤسسة ليس مجرد بند في صفقة. إنه أجير له حقوق، وله التزامات، وله أسرة تنتظر أجره في نهاية الشهر.
أما الحديث عن التشغيل دون الحديث عن جودة العمل واحترام الحقوق، فيبقى ناقصا مهما كانت الأرقام كبيرة.
والقانون، كما تقول النقابة، يجب أن يكون فوق الجميع، والصفقة العمومية لا ينبغي أن تتحول بأي شكل من الأشكال إلى غطاء لانتقاص حقوق العمال أو تأخير مستحقاتهم.
قبل أن نعد الناس بمناصب شغل جديدة، فلنبدأ أولا بمن يشتغلون اليوم: صفوا مستحقاتهم، احترموا ساعات عملهم، ضمنوا أجورهم وحقوقهم، ثم حدثونا بعد ذلك عن التشغيل.




