
يبدو أن ملف «بيغاسوس» عاد من جديد إلى واجهة السجال الإعلامي الإسباني، لكن هذه المرة عبر رواية مختلفة تضع المهدي حيجاوي في قلب قصة أقرب إلى أفلام التجسس منها إلى تحقيق صحفي يستند إلى وثائق ومعطيات قابلة للتحقق.
فعدد من المنابر الإسبانية، من بينها «ABC» و«El Debate»، قدمت حيجاوي باعتباره شخصية ذات معرفة واسعة بأسرار الأجهزة الاستخباراتية، وربطت اسمه بقضايا اختراق إلكتروني استهدفت، وفق ما نشرته هذه المنابر، شخصيات سياسية بارزة، من بينها رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
غير أن الانتقال المفاجئ من اتهامات كانت توجه في السابق إلى المؤسسات الأمنية المغربية، وعلى رأسها المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني ومديرها العام عبد اللطيف حموشي، إلى تقديم شخص آخر باعتباره المسؤول المفترض عن عمليات الاختراق، يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الرواية الإعلامية التي جرى تسويقها خلال السنوات الماضية.
فإذا كانت المعطيات الجديدة تقدم حيجاوي باعتباره صاحب الدور المركزي في عمليات التجسس المزعومة، فإن من حق المتابع أن يتساءل عن مصير الاتهامات السابقة التي استندت إلى تقارير لمنظمات ووسائل إعلام دولية وربطت المغرب باستعمال برنامج «بيغاسوس». وهل نحن أمام تراجع ضمني عن تلك الروايات؟ أم أمام محاولة لإعادة توزيع المسؤوليات دون تقديم تفسير واضح للتناقض بين الروايتين؟
المسألة هنا لا تتعلق بالدفاع عن شخص أو مهاجمة آخر، وإنما بمبدأ بسيط في العمل الصحفي: الاتهام الخطير يحتاج إلى دليل خطير، وكلما تعلق الأمر بالأمن القومي والتجسس واختراق هواتف رؤساء حكومات، تصبح الحاجة إلى الأدلة والتحقق أكثر إلحاحا، لا إلى الإثارة والعناوين الصادمة.
وتزداد علامات الاستفهام عندما تدخل إلى القصة وثائق يفترض أن تكون ذات قيمة استخباراتية، لكنها تثير بدورها أسئلة حول أصالتها ومضمونها. ومن بين الوثائق التي جرى تداولها بطاقة مهنية منسوبة إلى حيجاوي، قدمت في سياق محاولة إبراز خلفيته وطبيعة موقعه داخل جهاز استخباراتي مغربي.
غير أن ما يلفت الانتباه في الوثيقة المتداولة هو وجود تناقضات تستحق التحقق المهني قبل البناء عليها. فهناك حديث عن ارتباط حيجاوي بعمليات خلال الفترة الممتدة بين 2019 و2021، في وقت تشير الرواية نفسها إلى أنه كان قد غادر المخابرات الخارجية منذ سنوات. كما أن تاريخ انتهاء صلاحية البطاقة يعود إلى سنة 2014، الأمر الذي يفتح سؤالا منطقيا حول طبيعة الوثيقة والجهة التي أصدرتها والسياق الذي استعملت فيه.
ولا يتوقف الأمر عند هذه النقطة، إذ تثير الصياغة اللغوية المنسوبة إلى الوثيقة علامات استفهام إضافية، بسبب أخطاء إملائية ومهنية بالغة، من قبيل أخطاء في كتابة اسم المملكة المغربية واسم الجهاز والصفة الوظيفية للمسؤول الموقع عليها.
وبطبيعة الحال، فإن وجود أخطاء في وثيقة متداولة لا يكفي وحده لإثبات أنها مزورة، لكنه يكفي على الأقل لطرح سؤال مهني واضح: هل خضعت الوثيقة لفحص تقني مستقل قبل تقديمها للرأي العام باعتبارها دليلا على طبيعة شخصية استخباراتية مزعومة؟
الأكثر إثارة في الملف هو أن صورة «العقل الاستخباراتي الخارق» التي تحاول بعض الروايات رسمها لا تنسجم بالضرورة مع المواد التي ظهرت لاحقا من محادثات منسوبة إلى حيجاوي مع هشام جيراندو. فبدلا من تقديم معلومات استخباراتية عالية الحساسية، تظهر في تلك المواد، بحسب ما تم تداوله، أحاديث وادعاءات وإشاعات ومعلومات يتم تمريرها إلى حسابات ومنصات معروفة بخطابها الهجومي.
وهنا تبرز مفارقة أساسية: كيف يمكن لشخص يقدم باعتباره صاحب نفوذ استخباراتي استثنائي وقادرا على اختراق هواتف شخصيات توجد في أعلى هرم السلطة السياسية الأوروبية، أن يظهر في المقابل داخل مواد متداولة في صورة أقرب إلى مصدر للمعلومات غير الموثقة والادعاءات المتناقلة؟
ثم تأتي ادعاءات أخرى أكثر خطورة، من بينها قول منسوب إلى حيجاوي بشأن مسؤوليته عن مقتل هشام المنظري سنة 2004 في جنوب إسبانيا. ومثل هذه المزاعم، إن كانت قد صدرت فعلا، لا ينبغي أن تتحول إلى مادة دعائية أو وسيلة لتغذية السجال السياسي، بل يفترض أن تخضع للتحقق القضائي، لأن الحديث هنا يتعلق بجريمة قتل مزعومة وقعت على التراب الإسباني.
ومن هذه الزاوية تحديدا، يصبح السؤال موجها إلى السلطات الإسبانية قبل وسائل الإعلام: إذا كانت هذه الادعاءات تتضمن معلومات يمكن أن ترتبط بجريمة جنائية خطيرة، فلماذا لا تكون الأولوية للتحقيق والتحقق من الوقائع بدل الاكتفاء بإعادة تدويرها إعلاميا؟
أما تحويل شخص ملاحق أو متهم في قضايا جنائية، وفق ما تذكره الروايات المتداولة، إلى شخصية محورية في شبكة استخباراتية عابرة للحدود، فإنه يحتاج إلى ما هو أكثر من سردية صحفية مثيرة. يحتاج إلى وثائق أصلية، وخبرات تقنية مستقلة، وقرائن قضائية، وشهادات قابلة للتحقق، وسلسلة واضحة من الأدلة.
ذلك أن الصحافة المهنية لا تقاس بقدرتها على صناعة شخصية غامضة وتحويلها إلى «رجل الظل» في كل قضية، وإنما بقدرتها على التمييز بين المعلومة والادعاء، وبين الوثيقة الصحيحة والوثيقة المشكوك فيها، وبين الخبر والتحليل والتكهن.
وفي قضية «بيغاسوس» تحديدا، تبدو هذه القاعدة أكثر أهمية، لأن الملف سبق أن تحول إلى ساحة سياسية وإعلامية شديدة الحساسية، واستعملت فيه تقارير ومنشورات واتهامات متبادلة كان لها تأثير كبير على صورة المغرب وعلاقاته مع عدد من الدول الأوروبية.
لذلك، فإن ظهور رواية جديدة تقلب جزءا من الاتهامات السابقة لا ينبغي أن يقابل برواية مضادة جاهزة، بل بتحقيق مهني يعيد ترتيب الوقائع من البداية: من اخترق الهواتف؟ بأي تقنية؟ ومن أين تمت العمليات؟ وما الأدلة التقنية التي تثبت هوية المنفذين؟ وهل توجد أحكام أو تحقيقات قضائية تؤكد تلك الاتهامات؟ ومن يتحمل مسؤولية الوثائق التي تم نشرها وتقديمها للرأي العام باعتبارها أدلة؟
أسئلة كثيرة، لكن الإجابة عنها لا يمكن أن تكون بعناوين مثيرة أو ببطاقات مهنية تثير الشكوك، وإنما بأدلة يمكن فحصها والتحقق منها.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للصحافة هو أن تتحول ملفات التجسس والأمن القومي إلى مسلسلات يومية، تتغير فيها الشخصيات كلما تغيرت الرواية، بينما تبقى الأدلة غائبة.
أما المغرب، ومؤسساته الأمنية، والأشخاص الذين وجهت إليهم اتهامات خطيرة خلال السنوات الماضية، فمن حقهم، مثل أي طرف آخر، أن تخضع تلك الاتهامات لمعيار واحد: الدليل أولا، ثم الحكم بعد ذلك.




