قبل أن ينتهي الشهر… كلمة بدرهم واثنين بثلاثين: ركلام “بالي قبل مايسالي”

قبل أن ينتهي الشهر، تجد المواطن ينتقل من تصريح إلى تصريح، ومن خطاب إلى خطاب، ومن منصة إلى منصة، حتى لا تعود أذناه تلتقطان سوى الوعود. سنجعل الثروة السمكية في متناول المغاربة، سنرفع الحد الأدنى للأجور إلى خمسة آلاف درهم، سنوفر فرص العمل للجميع، سنجعل التعليم والصحة في متناول المواطن، سنخفض أسعار المواد الأساسية، سنحارب الفساد، سندعم كل محتاج، سنبحث عن الماء في جوف الأرض، وسنحقق من الإنجازات ما يجعل المستقبل يبدو، في الخطابات على الأقل، أكثر إشراقا من الحاضر. وبين وعد وآخر، يظهر من يبشر المغاربة بكأس العالم، وكأن المسألة لا تحتاج سوى خطاب انتخابي جيد وبعض التصفيق. وكلما انتقلت من منصة إلى أخرى وجدت عرضا جديدا، وكلما ظننت أنك سمعت أقصى ما يمكن أن يقال، جاءك خطاب آخر بوعد أكبر وأجمل وأكثر إغراء. ثم تبدأ معركة أخرى لا علاقة لها بالوعود، فيخرج هذا ليقول إن غريمه هو الذي صنع كل الأزمات، فيرد الآخر بأن خصمه كان شريكا له بالأمس في كل شيء، ثم يأتي ثالث ليصرخ بأن الجميع مسؤول عن البلاء، بينما يقف المواطن وسط هذا كله كأنه في سوق كبير للخطابة، يستمع إلى الباعة السياسيين وهم يعرضون بضائعهم، وكل واحد منهم يؤكد أن بضاعته هي الأفضل وأن خلاص البلاد موجود في جيبه. ولأن العروض كلها تبدو مغرية، يحتار المواطن ماذا يختار، ثم يتذكر فجأة أنه لم يبق من الشهر سوى يومين، وأن هناك حياة أخرى تنتظره خارج المنصات واللافتات والخطب. يتذكر بقال الحي الذي ينتظر أن يؤدي له ما أخذه بالدين طوال الشهر، ويتذكر صاحب الكراء الذي ينتظر بدوره مستحقاته، ويتذكر فواتير الماء والكهرباء والهاتف، ويتذكر أن راتبه الذي يبدو في الخطابات رقما محترما لا يكاد يصمد أمام أبسط متطلبات الحياة، فيتنهد ويقول في نفسه: ما أقسى هذه الحالة. ثم يواصل طريقه إلى البيت، فيمر القطار فائق السرعة أمامه في لمح البصر، وتظهر من بعيد قبة الملعب الكبير، وتحيط به صور ولافتات انتخابية وإشهارية لرجال ونساء ببدلات أنيقة وابتسامات واسعة، فيبدو كل شيء من بعيد وكأن البلاد تعيش قصة نجاح مكتملة الأركان. لكن المواطن كلما اقترب من حيه ابتعدت عنه تلك الصورة اللامعة، وعاد إلى الواقع الذي يعرفه جيدا. تضيق الأزقة، ويعلو صوت بائع النعناع وهو ينادي على سلعته، بينما يقف بائع الفواكه أمام عربته مترددا في الإعلان عن الأسعار، ليس لأنه لا يريد البيع، وإنما لأنه يعرف أن بعض الأسعار أصبحت قادرة على إخافة الزبون قبل أن يفتح محفظته. ثم يمر المواطن أمام المقهى، فيلتقط أذنه حديثا مختلفا تماما عن الأحاديث التي سمعها فوق المنصات. مجموعة من الشباب تتحدث عن الحملة الانتخابية، فيقول أحدهم إن مرشحا ما يدفع أربعة آلاف في اليوم لمن يعمل معه خلال الحملة، والطعام على حسابه، فيجيبه آخر بأن مرشحا آخر يدفع أكثر، بل ويتكفل حتى بالقهوة، فيأتي ثالث ليختصر النقاش كله بجملة بسيطة: لا يهم مع من نعمل، المهم أن يدفع جيدا. هنا تنتهي كل الخطب وتظهر الحقيقة عارية من كل الشعارات. شاب يبحث عن يوم عمل، عن بضعة دراهم تعينه على مصاريفه، عن فرصة مؤقتة يستطيع من خلالها أن يعود إلى بيته وفي جيبه ما يكفيه لبعض الوقت. بالنسبة إليه، الحملة ليست بالضرورة برنامجا سياسيا ولا مشروعا مجتمعيا، وإنما موسم قصير للعمل، مثل مواسم كثيرة تمر على المواطن ثم تنتهي. وهنا تكمن المفارقة القاسية: فوق المنصة حديث عن المستقبل، وتحتها مواطن يبحث عن اليوم. فوق المنصة حديث عن المشاريع الكبرى والثروة والاستثمار والتنمية، وفي الأزقة حديث عن ثمن الخبز واللحم والخضر والكراء وفاتورة الكهرباء. فوق المنصة وعود بتوفير الشغل، وفي المقهى شباب يتفاوضون حول ثمن يوم العمل في الحملة الانتخابية. فوق المنصة حديث عن تحسين مستوى المعيشة، وفي البيوت أسر تحاول فقط أن تصل إلى نهاية الشهر بأقل قدر ممكن من الديون. المواطن لا يكره الوعود، بل ربما هو أكثر الناس حاجة إلى الأمل، لكنه تعب من الأمل الذي ينتهي بمجرد انتهاء الحملة. هو لا يريد أن يسمع فقط أن الأسعار ستنخفض، وإنما يريد أن يذهب إلى السوق فلا يفاجأ بثمن لا يستطيع تحمله. لا يريد أن يسمع فقط أن فرص العمل ستتوسع، وإنما يريد وظيفة حقيقية تحفظ له كرامته. لا يريد أن يسمع فقط أن الصحة والتعليم سيكونان في أفضل حال، وإنما يريد عندما يمرض أن يجد العلاج، وعندما يرسل أبناءه إلى المدرسة أن يشعر بأن مستقبلهم لا يتوقف على قدرته على الإنفاق. أما الخطابات فقد سمع منها الكثير، وسمع كلمة “سنفعل” حتى أصبحت جزءا من قاموس حياته اليومية. وفي كل موسم انتخابي يعود سوق الوعود من جديد، تتغير الوجوه أحيانا، وتتغير الشعارات، لكن المواطن يبقى هو نفسه، يحمل نفس الأسئلة القديمة وينتظر أجوبة جديدة. وحين ينتهي الصخب، وتنزل اللافتات، وتغلق مقرات الحملات، ويعود كل واحد إلى موقعه، يعود المواطن أيضا إلى حياته الحقيقية، إلى البقال الذي ينتظر دينه، وصاحب الكراء الذي ينتظر حقه، والفواتير التي لا تعرف شيئا عن الخطابات ولا عن البرامج الانتخابية. وفي تلك اللحظة فقط، حين يهدأ كل شيء، يبدأ الحساب الحقيقي. ليس حساب الكلمات، وإنما حساب ما تحقق وما لم يتحقق، وما تغير في حياة الناس وما بقي على حاله. فالانتخابات قد تكون موسما للخطابة، لكنها بالنسبة إلى المواطن يجب أن تكون أيضا موسما للذاكرة، لأن الذاكرة وحدها قادرة على التمييز بين من جاء ليبيع الكلام ومن جاء ليقدم شيئا يمكن أن يلمسه الناس في حياتهم اليومية. وقبل أن ينتهي الشهر، وقبل أن تنتهي الحملة، وقبل أن تختفي آخر اللافتات من الشوارع، يبقى السؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى منصة ولا إلى مكبر صوت: ماذا بقي للمواطن من كل هذا الكلام عندما عاد إلى بيته ووجد الشهر قد انتهى، والراتب قد انتهى، والدين لم ينته؟




