المغرب

نيران الواحات تعود: حريق تاديغوست يفضح هشاشة التدبير البيئي بإقليم الرشيدية


اندلع مساء الثلاثاء حريق مهول بواحة أيت براهيم التابعة لقيادة تاديغوست بجماعة كلميمة، في إقليم الرشيدية، مخلفاً خسائر كبيرة في الغطاء النباتي، بعدما التهمت ألسنة اللهب عشرات أشجار النخيل، في مشهد يتكرر كل سنة تقريباً مع اقتراب فصل الصيف، وكأن الواحات كُتب عليها أن تحترق بصمت.
الحريق، الذي اندلع في ظروف ساهمت فيها الأعشاب الجافة وجريد النخيل المتراكم، سرعان ما انتشر داخل الواحة، مستفيداً من هشاشة البنية البيئية وغياب الصيانة المنتظمة. ورغم تدخل عناصر الوقاية المدنية والسلطات المحلية، التي تمكنت من محاصرة النيران ومنع امتدادها إلى مساحات أكبر، إلا أن الخسائر المسجلة تعيد طرح نفس الأسئلة القديمة حول جدية التدخلات الوقائية.
ما حدث في تاديغوست ليس حادثاً معزولاً، بل حلقة جديدة في سلسلة حرائق تضرب واحات جهة درعة تافيلالت كل سنة، خاصة خلال شهري ماي ويونيو، حيث تتحول الواحات إلى بيئة قابلة للاشتعال بسبب تراكم المخلفات النباتية، وغياب تدبير استباقي يقي من الكارثة قبل وقوعها.
الخطير في الأمر أن هذه الحرائق لا تهدد فقط أشجار النخيل، بل تضرب في العمق توازناً بيئياً واقتصادياً هشاً. فالواحات ليست مجرد فضاءات خضراء، بل هي نظام معيشة متكامل، يعتمد عليه سكان المنطقة في الفلاحة وتربية المواشي، وأي تدهور فيه يعني تعميق الهشاشة الاجتماعية ودفع المزيد من الأسر نحو الهجرة القروية.
في المقابل، يعود الحديث مجدداً عن ضرورة إحياء آليات التدبير التقليدي التي كانت تؤطر حياة الواحات، وعلى رأسها نظام “أمغار نتمازيرت”، الذي لعب تاريخياً دوراً محورياً في تنظيم استغلال الموارد وصيانة المجال الواحي. فغياب هذه الأدوار، دون تعويضها بآليات حديثة فعالة، خلق فراغاً في الحكامة المحلية للواحات.
كما يبرز دور المجتمع المدني في هذا السياق، حيث تنشط بعض الجمعيات في حملات تنظيف الواحات وإعادة تدوير مخلفات النخيل، غير أن هذه المبادرات، رغم أهميتها، تظل محدودة التأثير في غياب دعم مؤسساتي قوي واستراتيجية واضحة لتدبير هذا التراث البيئي.
حريق تاديغوست ليس فقط خسارة في الأشجار، بل هو إنذار جديد بأن الواحات في حاجة إلى سياسة حماية حقيقية، تتجاوز ردود الفعل الظرفية نحو مقاربة استباقية، تجعل من الوقاية أولوية، ومن حماية هذا الإرث مسؤولية جماعية قبل أن يتحول الاحتراق إلى قدر سنوي لا يُطرح حوله أي سؤال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى