المغرب

أونسا” تحذر المغاربة من اللحم… والمغاربة يبحثون عمّن يحذرهم من الأسعار!


مع اقتراب عيد الأضحى، خرج المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية “أونسا” بوصلة جديدة من النصائح والإرشادات، داعياً المغاربة إلى احترام شروط السلامة الصحية أثناء الذبح وتخزين اللحوم، وكأن المواطن المغربي كان ينتظر منذ قرون من يخبره كيف يعلّق “القديد” أو كيف يحافظ على اللحم من التلف.
المغاربة الذين عاشوا مئات السنين وهم يتركون الأضحية معلقة لأكثر من عشرين ساعة، ويصنعون “الخليع” و”القديد” بطرق تقليدية توارثوها جيلاً بعد جيل، اكتشفوا فجأة أن الخطر الحقيقي ليس في حرارة الصيف ولا في طريقة التخزين، بل في غياب “إرشادات أونسا”!
المفارقة الساخرة أن المؤسسة التي تتحدث اليوم عن شروط السلامة الصحية، تبدو وكأنها تتعامل مع المغاربة كأنهم دخلوا المطبخ لأول مرة في حياتهم، بينما المواطن البسيط يعيش معركة مختلفة تماماً: كيف سيشتري الأضحية أصلاً؟ وكيف سيتحمل أسعار اللحوم والعلف والنقل والغلاء الذي حوّل العيد من مناسبة دينية واجتماعية إلى كابوس مالي موسمي؟
فالمغربي اليوم لا يخاف من فساد اللحم بقدر ما يخاف من فساد القدرة الشرائية.
كان الأجدر بـ”أونسا” ربما أن تقدم للمغاربة نصائح من نوع آخر: كيف تحافظ على أعصابك أمام أسعار الأضاحي؟ كيف تمنع انفجار عرق من عروقك وأنت تسمع ثمن الكبش؟ كيف تقنع أطفالك أن “العيد عبادة وليس وزناً بالكيلوغرام”؟
لأن السلامة الصحية الحقيقية لم تعد مرتبطة فقط بدرجات الحرارة أو شروط التخزين، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بسلامة المواطن النفسية والاجتماعية أمام موجات الغلاء المتتالية.
المثير أن المؤسسات في المغرب غالباً ما تختار أسهل الطرق: إصدار البلاغات والنصائح، بينما يظل السؤال الأصعب معلقاً دون جواب: لماذا أصبح المواطن عاجزاً عن العيش بكرامة دون قروض أو “دْويرة” أو استدانة من الجيران؟
ثم إن المغاربة، قبل أن يتعلموا من “أونسا” كيف يحفظون اللحم، يريدون أولاً أن يعرفوا كيف يحفظون ما تبقى من جيوبهم.
وفي النهاية، قد يلتزم المواطن بكل شروط السلامة الصحية التي أوصت بها “أونسا”، لكنه لن يجد أي دليل رسمي يشرح له كيف يواجه سلامة الأسعار الملتهبة، أو كيف ينجو من موسم يتحول كل سنة إلى اختبار قاسٍ للقدرة على الصبر أكثر من كونه عيداً للفرح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى