
شهدت الساحة الثقافية والفنية بالمملكة نجاحاً باهراً ومتميزاً مع إسدال الستار على فعاليات الدورة الثانية من مهرجان أجيال موسيقية وثقافات المنظم من طرف مؤسسةرقي للفن والثقافة والسلام، وهو الحدث الذي نجح في إثبات مكانته كمنصة رائدة للتلاقح الإنساني، والحوار الفني، والتبادل المعرفي بين مختلف الأجيال والأنماط الإبداعية. لقد تميزت هذه النسخة الممتدة على مدى ثلاثة أيام حافلة، ببرمجة فنية وعلمية غنية ومتنوعة جمعت بين عراقة التراث وأصالة الماضي، وبين حداثة الإيقاعات والتقنيات العصرية، مما خلق توليفة إبداعية فريدة نجحت في جذب جمهور واسع من مختلف الفئات العمرية والخلفيات الثقافية، وجعلت من الفضاءات الجامعية والثقافية بفاس ومكناس حواضر نابضة بالإشعاع.
وقد انطلقت الفعاليات في يومها الأول بمناقشة الروافد الأكاديمية عبر موائد مستديرة بقاعة المؤتمرات بغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة فاس مكناس، تمحورت حول دور الجامعة والمعاهد الموسيقية في تكوين أجيال فنية جديدة تلاها افتتاح إقامة التميز في فنون الطهي لطلبة المعهد المتخصص في السياحة والفندقة تحت إشراف الشيف العالمي أحمد معارف. ولم تتأخر الإيقاعات الحية في تعزيز هذا الزخم؛ إذ احتضن المركز الثقافي نجوم المدينة عروضاً لفرقة عازفي العود بالمعهد الموسيقي بفاس تحت رئاسة محسن العلوي وكورال مؤسسة جون شارل، ومجموعة صوتية قادمة من
ماليزيا. ليتوج اليوم الأول بسهرة كبرى بمعهد الفنون الجميلة والرقص الكوريغرافي أحياها الوفد الهندي لمؤسسة سانجهي سانسكريتي مع فقرة فنية للفنانة ناتالي، مرسخة البعد الدولي والمنفتح للمهرجان.
وتواصلت وثيرة العطاء في اليوم الثاني بالتركيز على قضايا العصر، حيث ناقش الباحثون موضوع الثقافة الرقمية المحتوى والمسؤولية الاجتماعية مبرزين تحديات الإنتاج الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلاقته بقيم التمغربيت والمواطنة. في حين شهد المسرح الثقافي تناغماً ساحراً والامتزاج الفريد بين جيل العمالقة والشباب، تمثل في عروض كورال صدى غرناطة للطرب الغرناطي لإعدادية 3 مارس ببركان بتأطير الأستاذة كومباس نادية، وفرقة المعهد الموسيقي بفاس العازفي القطارة بتأطير الأستاذ طارق هلال
وكورال مؤسسة مولييغ بفاس برئاسة الأستاذ محمد اللبار، إلى جانب بروفات مفتوحة للأوركسترا والكورال. هذا المزج الفني تحول إلى حوار حيّ عَبَرَ الحدود والزمن، تعزز في الأمسية بسهرة كبرى لكورال روح فاس للموسيقى الأندلسية وجوق شباب الولاعة، تخللها تكريم رمزي واحتفاء بليغ بالتراث الموسيقي الأندلسي المغربي.
ولم تنفصل العروض الإبداعية طيلة أيام المهرجان عن الأنشطة الموازية التي احتضنها رواق محمد القاسمي، والتي شملت ورشات رسم بتأطير فنانة من الهند، وأخرى لفائدة تلاميذ إعدادية سيدي محمد بن عبد الرحمن العراقي بالبطحاء، وتلاميذ إعدادية أم البنين، فضلاً عن ورشات إعادة التدوير الإبداعي التي تدمج الوعي البيئي بالفن، مما جعل الفضاء معرضاً مفتوحاً للعموم يضج بالحياة ومحفزاً للمواهب الناشئة.
وقد شكل اليوم الثالث والأخير قفزة نوعية بربطه الفن بالعلوم الطبية والإنسانية في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، عبر محاضرات مستديرة ومداخلات مشتركة بين أطباء نفسيين وجراحين بحثت في الموسيقى في قلب الرعاية والعواطف وعلوم الأعصاب، بالتوازي مع ماستر كلاس مميز في الطهي المستدام بدون هدر بالمعهد المتخصص في السياحة والفندقة. لتأتي لحظة الختام بمعهد الفنون الجميلة والرقص الكوريغرافي بمشاركة عازفي البيان وكورال مؤسسة HD LEADER SCHOOL بالرباط تحت إشراف الأستاذة فاطمة مجاهد، وحفل بهيج لأمهر عازفي البيانو الشباب المتفوقين في المسابقة الدولية للبيانو مراكش باريس، قبل أن يختتم الحدث بحفل عشاء للوفود المشاركة من إعداد الشيف أحمد معارف. إن هذا النجاح الجماعي المبهر والتنسيق العالي أكد أن المهرجان ليس مجرد حدث عابر للترفيه، بل هو مشروع ثقافي مستدام يهدف إلى بناء جسور التواصل بين
الأجيال وترسيخ قيم التسامح، مما يؤسس لنسخ مقبلة أكثر تميزاً وعطاء.




