قبور بلا أسماء.. حين يصبح الموتى أرقاما

قبور بلا أسماء، وجثامين تنتظر من ينادي عليها، وعائلات لا تعرف أين انتهى أبناؤها. هكذا تبدو واحدة من أكثر الصور قسوة التي خلفتها أحداث العبور نحو سبتة ومليلية المحتلتين، حيث لا يبدو أن مأساة الموت انتهت بالنسبة لعدد من الضحايا، بل تحولت إلى مأساة أخرى عنوانها المجهولية والانتظار.
وجهت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مراسلة رسمية إلى ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، تطالبه فيها بالتدخل العاجل لدى السلطات المعنية بمدينة سبتة المحتلة من أجل وقف أي عملية وشيكة لدفن جثامين ضحايا أحداث العبور التي شهدتها المنطقة، في ظل تعذر التعرف على هوية عدد من الضحايا. وتأتي هذه المراسلة بعدما تحدثت مصادر من داخل سبتة عن استعداد السلطات المحلية للشروع في دفن الجثامين بمعدل 15 جثمانا يوميا، بعد انتهاء المدد المحددة للاحتفاظ بها وفق الإجراءات المعمول بها في مجال الطب الشرعي.
لكن خلف هذه الأرقام توجد مأساة بشرية أكبر بكثير من مجرد عملية دفن. فالجثمان الذي لا يحمل اسما ليس مجرد جثة مجهولة الهوية، بل قد يكون ابنا لأم تنتظر منذ أسابيع، أو أخا لعائلة لا تعرف هل تبحث عن حي أم تتهيأ لاستقبال خبر الموت، أو أبا ترك وراءه أطفالا لا يعرفون أين انتهى والدهم. الموت في حد ذاته مأساة، لكن أن يموت الإنسان ثم تختفي هويته ويصبح قبره مجهولا بالنسبة لأسرته، فتلك مأساة ثانية لا تقل قسوة عن الأولى.
السؤال هنا ليس عن شرعية العبور ولا عن موقف القانون من الهجرة غير النظامية، وليس المطلوب تبرير المخاطر التي أقدم عليها هؤلاء الشباب، وإنما السؤال عن قيمة الإنسان عندما يصبح بلا حول ولا قوة. فالإنسان لا يفقد كرامته لأنه عبر الحدود بطريقة غير نظامية، ولا يفقد حقه في الاسم لأنه مات في ظروف مأساوية. وحتى من خالف القانون، يبقى له اسم وعائلة وحق في أن يعرف أهله مصيره، وحق في أن يدفن بطريقة تحفظ له الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
والأكثر قسوة أن بعض العائلات قد لا تعرف حتى اليوم إن كان أحد أبنائها من بين الجثامين الموجودة في سبتة. تخيل أن تعيش أسرة على الاحتمال، لا تستطيع أن تقول إن ابنها مات ولا تستطيع أن تقول إنه حي. هاتف قد يرن في أي لحظة، باب قد يطرق، خبر قد يصل، وصورة قد تظهر على مواقع التواصل، وفي كل مرة يعود السؤال نفسه: هل هو من بينهم؟ وهل الجثمان الذي سيحمل إلى القبر هو ابننا الذي خرج من البيت ولم يعد؟
في مثل هذه الحالات، لا يكفي أن تقول السلطات إن المدة القانونية للاحتفاظ بالجثامين انتهت. القانون نفسه يفترض أن يكون في خدمة الإنسان، والإجراءات ينبغي أن تبحث عن حلول تحفظ الكرامة وتتيح للعائلات الوصول إلى الحقيقة. فإذا كانت الوسائل العلمية الحديثة قادرة على تحديد هوية الأشخاص عبر تحليل الحمض النووي ومطابقة العينات مع أفراد أسرهم، فلماذا يكون الخيار الأسهل هو الانتقال إلى الدفن قبل استنفاد كل الوسائل الممكنة؟
إن الحديث عن دفن 15 جثمانا يوميا لا ينبغي أن يتحول إلى رقم عابر في خبر صحفي. كل جثمان من هذه الجثامين يحمل وراءه قصة كاملة. كل واحد منهم كان شخصا له اسم ووجه وذكريات وأصدقاء وعائلة تنتظره. وعندما يتحول الموتى إلى أرقام، فإن الخطر لا يكون في فقدان الأسماء فقط، بل في فقدان الإحساس الإنساني بالمأساة.
ولعل المقارنة مع فلسطين تكشف حجم المفارقة الإنسانية. هناك، وسط واحدة من أعنف المآسي التي يعيشها الفلسطينيون تحت نيران الاحتلال، تسقط أعداد هائلة من الضحايا، وتتحول البيوت إلى أماكن للعزاء، والمقابر إلى سجل مفتوح لأسماء من رحلوا. قد تكون المأساة هناك أكبر وأشد دموية، لكن الاسم يظل حاضرا، والأسرة تعرف من فقدت، والقبر يحمل هوية صاحبه كلما كان ذلك ممكنا. أما أن يصبح الإنسان بعد موته مجرد رقم أو جثمان مجهول، فذلك يعني أن المأساة لم تكتف بقتل الجسد، بل امتدت إلى محو الهوية.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع فقط على السلطات الإسبانية، بل إن الدولة المغربية مطالبة بدورها بالتحرك الجاد، ليس من خلال المراسلات فقط، وإنما عبر كل القنوات الدبلوماسية والقانونية الممكنة، من أجل ضمان بذل أقصى الجهود لتحديد هويات الضحايا، والتواصل مع عائلاتهم، وتمكينها من معرفة مصير أبنائها واستعادة جثامينهم متى كان ذلك ممكنا.
فالدولة لا تظهر فقط عندما يكون المواطن داخل التراب الوطني، ولا تنتهي مسؤوليتها عند الحدود. المواطن الذي يموت خارج الوطن، خصوصا في ظروف مأساوية، يحتاج إلى دولة تبحث عنه وتساعد أسرته وتطالب بمعرفة الحقيقة. وأسر الضحايا لا تحتاج إلى بيانات باردة بقدر ما تحتاج إلى إجابة واضحة عن سؤال بسيط وقاس: أين أبناؤنا؟
إن قضية الجثامين المجهولة ليست قضية هامشية، ولا ملفا يمكن إغلاقه بمجرد انتهاء مدة الاحتفاظ بالجثامين. إنها قضية كرامة إنسانية وحق للعائلات في معرفة مصير أبنائها. ولذلك فإن أي عملية دفن قبل استنفاد كل الإمكانيات المتاحة لتحديد الهوية يجب أن تثير القلق، لأن القبر قد يغلق إلى الأبد، لكن الأسرة التي لم تعرف الحقيقة ستظل تبحث إلى الأبد.
لا أحد يطلب المستحيل. المطلوب فقط أن يتم التعامل مع هؤلاء الموتى باعتبارهم بشرا قبل أن يكونوا مهاجرين، وأن يتم التعامل مع أسرهم باعتبارها أسر ضحايا قبل أن يتم التعامل معهم كأرقام في ملف إداري. المطلوب أن تستخدم كل الوسائل العلمية المتاحة، وأن تجمع العينات والبيانات والصور وكل ما يمكن أن يساعد في تحديد الهوية، وأن يتم التواصل مع الأسر التي تبحث عن أبنائها، وأن لا يتحول عامل الزمن إلى مبرر لمحو الأسماء.
فالميت لا يستطيع أن يطالب بحقه، ولذلك تقع مسؤولية الدفاع عن كرامته على الأحياء. والأم التي تنتظر ابنها لا تستطيع أن تدفن مجرد احتمال، والأب الذي يبحث عن ابنه لا يستطيع أن يضع وردة على قبر مجهول ثم يعود إلى منزله وكأن شيئا لم يحدث.
لهذا، فإن القبور بلا أسماء ليست مجرد قبور، بل هي جرح مفتوح في ذاكرة عائلات لا تعرف أين انتهت حكاية أبنائها. وإذا كان الموت قد أنهى حياة الضحايا، فلا ينبغي أن تسمح السلطات بأن يتحول الجهل بهويتهم إلى موت ثان، وأن يتحول النسيان إلى آخر محطة في قصتهم.
لا تدفنوا الجثامين قبل أن تبحثوا عن أسمائها. لا تحولوا أبناء الناس إلى أرقام. لا تجعلوا العائلات تعيش بقية حياتها أمام سؤال بلا جواب.
فالقبور قد تغلق على أصحابها، لكن الحقيقة لا ينبغي أن تدفن معهم.




