وهبي واكتشاف تارودانت: خمس سنوات لفهم المدينة وخمس أخرى للبحث عن المشاريع!

يبدو أن تارودانت لم تكن مدينة عادية بالنسبة لعبد اللطيف وهبي، بل كانت تحتاج إلى مشروع بحث علمي طويل الأمد، من النوع الذي يبدأ بالتسجيل في الجامعة وينتهي بالحصول على الدكتوراه في «علم فهم تارودانت»!
الوزير قال، بكل ثقة، إنه لم يكن يأتي إلى تارودانت لمدة خمس سنوات بعد نجاحه في الانتخابات، لأنه كان «يقلب ليها على المشاريع».
يعني الرجل لم يكن غائبا… كان في مهمة وطنية سرية.
لم يكن يبتعد عن تارودانت، وإنما كان يبحث عنها في مكان آخر!
والسؤال الذي يطرح نفسه، وبكل براءة: أنت مرشح في تارودانت، والانتخابات نجحت فيها، ثم تحتاج إلى خمس سنوات كاملة لكي تفهم المدينة وتبحث لها عن المشاريع؟
هذه ليست ولاية انتخابية، هذه فترة تدريب.
المواطن يصوت اليوم، والمنتخب يبدأ الفهم غدا، والمشاريع تبدأ بعد غد، والتنفيذ… الله أعلم متى.
المثير أن المنطق الجديد في تدبير المدن يبدو كالتالي: أولا نترشح، ثم ننجح، ثم نختفي، ثم نعود بعد خمس سنوات لنقول للمواطنين: «دابا فهمتكم».
وبهذا المنطق، إذا نجح وهبي مرة أخرى، فمن المحتمل أن تبدأ مرحلة جديدة من البحث: خمس سنوات أخرى لفهم ما الذي لم يفهمه في الخمس سنوات الأولى.
ثم تأتي الولاية الثالثة، فيقول لنا: «الحمد لله، الآن أصبحت أعرف تارودانت جيدا، وبقي فقط أن نبحث عن المشاريع».
أما الإنجاز، فربما يحتاج إلى ولاية انتخابية مستقلة.
وهنا يصبح المواطن أمام صيغة سياسية عبقرية: خمس سنوات لفهم المدينة، خمس سنوات للبحث عن المشاريع، وخمس سنوات أخرى لإنجازها… بشرط أن يستمر التصويت!
يعني إذا كنت مواطنا في تارودانت وتريد مشروعا، فلا تسأل عن تاريخ الإنجاز، اسأل أولا: «واش السيد غادي يترشح مرة أخرى؟»
فالمشروع في هذه الحالة لا يبدأ من دراسة تقنية ولا من ميزانية ولا من برنامج تنموي، بل يبدأ من ورقة التصويت.
وإذا أردنا أن نكون منصفين، فربما الوزير يقصد أنه كان يبحث عن المشاريع خارج المدينة. لكن حتى هذه القراءة تجعل الأمر أكثر إثارة للسخرية: كيف يبحث منتخب عن مشاريع لمدينة وهو لا يعيش تفاصيلها اليومية ولا يحضر إليها بانتظام؟
المواطن الذي يستيقظ كل صباح وسط مشاكل النقل والبطالة والبنية التحتية والصحة والتعليم لا يحتاج إلى خمس سنوات حتى يعرف ما الذي ينقص مدينته. يكفيه أن يخرج من باب منزله.
أما المسؤول، فيبدو أنه يحتاج إلى دراسة ميدانية طويلة.
وربما كان عليه أن يضع لائحة بالمهام:
السنة الأولى: التعرف على تارودانت.
السنة الثانية: تحديد موقع تارودانت على الخريطة.
السنة الثالثة: التعرف على مشاكل تارودانت.
السنة الرابعة: البحث عن المشاريع.
السنة الخامسة: الاستعداد للانتخابات.
ثم تبدأ الدورة من جديد.
أما المواطن، فمهمته بسيطة جدا: يصبر.
وإذا سأل عن المشروع، يقال له: «المشروع جاي».
وإذا سأل: «إمتى؟»
الجواب: «من بعد».
ومن بعد، بطبيعة الحال، تعني «من بعد الانتخابات».
وهنا لا بد من التوقف عند واحدة من أكثر المفارقات استفزازا: المنتخب يأخذ أصوات المدينة ليضمن موقعه السياسي، ثم يقول إنه كان يحتاج إلى سنوات لكي يفهمها ويعرف حاجياتها.
يعني الوضوء قبل الصلاة أم الصلاة قبل الوضوء؟
هل نترشح أولا ثم نفهم المدينة؟ أم نفهم المدينة أولا ثم نترشح؟
لأن المنطق الطبيعي يقول إن من يريد تمثيل مدينة يجب أن يعرف مشاكلها قبل أن يطلب أصوات سكانها، لا أن يطلب الأصوات ثم يبدأ رحلة اكتشاف المدينة.
والأجمل أن بعض الوعود السياسية في بلادنا أصبحت تشبه مشاريع «سوف».
سوف نبني.
سوف نصلح.
سوف ننجز.
سوف نعيد التأهيل.
سوف نخلق فرص الشغل.
وسوف… ثم سوف… ثم سوف.
حتى أصبح المواطن لا يحتاج إلى مشروع، بل يحتاج إلى قاموس لتصريف فعل «سوف» في جميع الأزمنة.
أما حكاية المشروع الذي ينتظر سنوات، فهي تذكرنا بذلك المواطن الذي يطلب إصلاح حفرة أمام منزله، فيقال له: «راه الملف عندنا».
بعد سنة: «راه كيتدرس».
بعد سنتين: «راه دخل فالبرمجة».
بعد ثلاث سنوات: «راه غادي يخرج للصفقة».
بعد أربع سنوات: «راه باقي كنقلبو على التمويل».
وفي السنة الخامسة: «صوت علينا ونكملو لك القصة».
هكذا يصبح المشروع الانتخابي مثل المسلسلات الطويلة: الموسم الأول ينتهي دون حل، والموسم الثاني يحتاج إلى اشتراك جديد.
أما المواطن، فعليه أن ينتظر الحلقة المقبلة.
وبخصوص تارودانت، فربما يجب أن نشكر الوزير على هذا الاعتراف غير المقصود: إذا كان المسؤول يحتاج إلى خمس سنوات لكي يفهم المدينة، فهذا يعني أن المدينة كانت تحتاج منذ البداية إلى مسؤول يفهمها قبل أن يطلب من سكانها أن يمنحوه ثقتهم.
والمشكلة ليست في أن السياسي يبحث عن المشاريع، فهذا أمر مطلوب، بل في أن تتحول سنوات الولاية الانتخابية نفسها إلى مرحلة بحث واكتشاف، بينما المواطن ينتظر نتائج ملموسة.
أما السخرية الحقيقية فهي أن يتحول النجاح في الانتخابات إلى تذكرة خروج لمدة خمس سنوات، ثم العودة في موسم الانتخابات مع دفتر جديد من الوعود القديمة.
وفي النهاية، يمكن أن نلخص النظرية التنموية الجديدة في تارودانت هكذا:
الولاية الأولى: نفهم المدينة.
الولاية الثانية: نقلبو على المشاريع.
الولاية الثالثة: إن شاء الله نبداو نخدمو.
والولاية الرابعة؟
نرجعو نفهمو المدينة من جديد… لأن خمس سنوات دازت ونسينا شنو فهمنا!
أما المواطن، فلا تنسوه في كل هذا.
فهو الكائن الوحيد الذي لا يحتاج إلى خمس سنوات لكي يعرف أن المدينة تحتاج إلى مشاريع.
يكفي أن يعيش فيها.
وإذا أراد أحد أن يعرف الحقيقة كاملة، فليس عليه سوى أن يسأل المواطن الروداني:
«شنو تبدل عندكم؟»
وسيكون الجواب أسرع من أي دراسة، وأقصر من أي برنامج انتخابي:
«والو… غير فهمونا أننا خاصنا نصبروا خمس سنين أخرى.»




