آخر توزيعة للمال السايب قبل النهوض على الكراسي؟

في الوقت الذي يستعد فيه وزراء حكومة عزيز أخنوش لمغادرة مناصبهم انتظارا لنتائج الاستحقاقات الانتخابية وحسم الكاستينغ السياسي للحكومة المقبلة، تعود الى الواجهة مرة اخرى قصة المال العام الذي يبدو انه يعرف جيدا كيف يجد طريقه الى جيوب اصحاب المناصب، في الوقت الذي يجد فيه المواطن المغربي صعوبة في ايجاد طريق يوصله الى حياة مستقرة.
فبينما يتهيأ الوزراء للنزول من الكراسي، يتهيأ المال العام للصعود الى حساباتهم تحت مسمى تعويضات نهاية الخدمة، وكأن مغادرة المنصب ليست نهاية مهمة سياسية، وانما مناسبة للاحتفال وتوزيع المكافآت.
فبموجب مقتضيات قانونية تعود الى منتصف سبعينيات القرن الماضي، يحصل كل عضو من اعضاء الحكومة عند انتهاء مهامه على تعويض خاص يعادل راتب عشرة اشهر كاملة.
عزيز أخنوش، الذي يبلغ راتبه الشهري الاجمالي 70 الف درهم، سيحصل وفق هذه الحسابات على تعويض يناهز 700 الف درهم، اي 70 مليون سنتيم.
اما كل وزير، وبراتب شهري يبلغ 58 الف درهم، فسيحصل على تعويض يصل الى 580 الف درهم، اي 58 مليون سنتيم، بينما ستتجاوز الكلفة المالية الصافية لتعويضات مغادرة وزراء هذه الولاية مليار ونصف مليار سنتيم من المال العام.
وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل هذه هي آخر توزيعة للمال السايب قبل النهوض على الكراسي؟
المواطن الذي يفقد عمله لا يحصل على عشرة اشهر من راتبه مكافأة على مغادرته، بل قد يحصل على باب مغلق وعبارة «الله يعاونك».
العامل الذي تنتهي مهمته قد يدخل مباشرة الى طابور البطالة، والموظف البسيط الذي يغادر عمله يحسب الايام المتبقية من راتبه، اما الوزير، فعندما تنتهي مهمته السياسية يبدو ان عشرة اشهر اخرى تنتظره كهدية وداع.
يا لها من نهاية سعيدة للمهمة!
المواطن يسمع يوميا عن الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، ثم يجد امامه هذه الارقام، فيتساءل عن نوع العدالة التي تجعل المال العام سخيا جدا مع اصحاب المناصب، وبخيلا جدا مع من لا يملكون سوى اجورهم.
فهل هذا التعويض مكافأة عن سنوات من العمل الشاق، ام تعويض عن سنوات النوم واغراق المواطنين في الغلاء؟
وهل المواطن الذي تحمل ارتفاع الاسعار وتكاليف المعيشة سيحصل بدوره على عشرة اشهر من التعويض عندما تنتهي ولايته كمواطن؟
ام ان المواطن لا ولاية له اصلا، ولا يملك سوى مهمة دائمة اسمها دفع الفواتير؟
المفارقة ان السياسي يستطيع ان يخرج من الحكومة وهو يحمل معه تعويضا ضخما، بينما المواطن قد يخرج من عمله حاملا معه ملف البطالة.
السياسي اذا بقي في الحكومة استفاد من راتبه وامتيازاته، واذا غادرها استفاد من تعويض نهاية الخدمة، اما المواطن فسواء بقيت الحكومة او تغيرت، بقي هو الطرف الذي يؤدي الفاتورة.
ولهذا يبدو السؤال اكثر الحاحا: اذا كان الوزير يستحق تعويضا عن مغادرة الكرسي، فمن سيعوض المواطن عن سنوات الغلاء وتراجع القدرة الشرائية والضغط الاجتماعي؟
من سيعوضه عن الوعود التي سمعها ثم وجد نفسه امام اسعار لا ترحم؟
ومن سيمنحه تعويضا عن السنوات التي كان فيها يراقب دخله وهو يتبخر قبل نهاية الشهر؟
ربما يكون هذا هو الفرق الحقيقي بين من يجلس على الكرسي ومن يجلس في طابور الانتظار: الاول حتى عندما يغادر يحصل على تعويض، والثاني حتى عندما يعمل قد لا يستطيع ضمان نهاية الشهر.
لذلك يمكن للمغربي البسيط ان يبتسم بسخرية وهو يرى هذا الكرم المالي عند نهاية الولاية ويتساءل: هل هذه فعلا آخر توزيعة للمال السايب قبل النهوض على الكراسي، ام ان الكراسي نفسها اصبحت مشروعا استثماريا، حيث الراتب مضمون اثناء الجلوس والتعويض مضمون عند النهوض؟
اما المواطن، فعليه الصبر والتحمل والتقشف وانتظار الفرج، ثم دفع ثمن كل ذلك من جيبه.
وفي النهاية يبقى السؤال معلقا: هل هذه التعويضات تعويض عن نهاية الخدمة، ام مكافأة على نهاية الولاية، ام مجرد طريقة انيقة للقول للمغاربة: انتهت مهمتنا، وهذه فاتورتنا الاخيرة… اما فاتورتكم فمستمرة؟




