
لم تعد مأساة المهاجرين الذين وجدوا أنفسهم عالقين في سبتة بعد أحداث العبور الجماعي مجرد قصة هجرة غير نظامية، بل تحولت، وفق نتائج تحقيقات الشرطة الوطنية الإسبانية، إلى سوق سوداء تستثمر في اليأس وتبيع للناس وهما اسمه الوصول إلى الضفة الأخرى، مقابل مبالغ تصل إلى 9 آلاف يورو للشخص الواحد.
فقد أعلنت الشرطة الوطنية الإسبانية تفكيك شبكتين يشتبه في تورطهما في تنظيم عمليات نقل سرية للمهاجرين من سبتة نحو شبه الجزيرة الإيبيرية، وأسفرت عمليتان أمنيتان في سبتة ولا لينيا دي لا كونسيبسيون بإقليم قادس عن توقيف خمسة أشخاص للاشتباه في ارتباطهم بتنظيم الهجرة غير النظامية والعمل ضمن شبكات إجرامية.
المعطيات التي كشفتها التحقيقات ترسم صورة صادمة عن الطريقة التي كانت تشتغل بها هذه الشبكات. فالمهاجرون العالقون في سبتة كانوا يتحولون إلى أهداف سهلة للوسطاء، الذين يتولون استقطابهم ثم إيواءهم في منازل ومرائب وأماكن سرية، قبل تحديد لحظة الانطلاق نحو الساحل الإسباني.
الخطة كانت تبدو بسيطة، لكنها شديدة الخطورة. قوارب صغيرة وسريعة تنطلق من ساحل قادس باتجاه سبتة، ثم تعود محملة بالمهاجرين نحو شبه الجزيرة، بينما تتولى سيارات نقلهم إلى نقاط بعيدة عن أعين المراقبة، قبل أن يستقبلهم أشخاص آخرون في الضفة المقابلة ويوزعونهم على وجهات مختلفة.
لكن خلف هذه العمليات المنظمة كان هناك شيء واحد واضح: المال.
آلاف اليوروهات مقابل رحلة قد تنتهي خلال ساعات بجثمان في قاع البحر. 8 آلاف يورو عن الشخص الواحد، وفي بعض الحالات 9 آلاف يورو، أي أن سبعة أشخاص فقط كانوا قادرين على تحويل رحلة واحدة إلى مصدر دخل يصل إلى 56 ألف يورو.
هنا يصبح السؤال أكثر قسوة: كيف يمكن لإنسان أن يدفع 8 آلاف يورو مقابل رحلة لا توفر له حتى سترة نجاة؟
في إحدى العمليات التي كشفت عنها التحقيقات، كان سبعة مهاجرين داخل قارب لا يتجاوز طوله خمسة أمتار وعرضه مترين، قضوا حوالي خمس ساعات في البحر، وقطعوا نحو 40 كيلومترا في ظروف شديدة الخطورة. لم تكن هناك سترات نجاة، ولا وسائل للإغاثة أو الإشارة، وبعض الركاب لم يكونوا يجيدون السباحة.
والأخطر أن الرحلة تمت ليلا وسط ضباب كثيف، في منطقة بحرية لا ترحم، قبل أن تتسرب المياه إلى القارب ويتعرض الركاب للبرد والبلل والأمواج، لينتهي الأمر، بحسب المعطيات المتداولة، بتخلي المهربين عنهم وتركهم في مواجهة مصيرهم.
هؤلاء لم يشتروا رحلة آمنة، بل دفعوا مبالغ ضخمة مقابل مغامرة قد تنتهي بالموت.
وهنا تظهر الوجه الحقيقي لبعض شبكات تهريب البشر: لا يهمها إن كان القارب صالحا للإبحار، ولا إن كان الركاب يعرفون السباحة، ولا إن كانت الأحوال الجوية مناسبة، ولا إن كان البحر هادئا. المهم أن يتم الدفع.
إنها تجارة لا تبيع للمهاجر مستقبلا، وإنما تبيع له مخاطرة، وتضع أمامه البحر باعتباره آخر باب، ثم تتركه وحده عندما يبدأ الخطر.
واللافت أن الشبكات لم تكن تعتمد فقط على القوارب، بل على تقسيم واضح للأدوار: وسطاء لاستقطاب المهاجرين، وأشخاص لتوفير أماكن الاختباء، وسائقون لنقلهم، وربابنة يمتلكون خبرة في قيادة القوارب السريعة، وأفراد يتولون الاستقبال في الضفة الأخرى.
أي أننا أمام نشاط يبدو، وفق التحقيقات، منظما بشكل يجعل المهاجر مجرد حلقة في سلسلة تجارية هدفها الأساسي تحقيق أكبر قدر ممكن من المال.
وبدأت إحدى القضايا بعد العثور على قارب سريع عالقا بين الصخور في منطقة بنزو بسبتة، حيث كشفت معاينته عن أضرار وآثار تتوافق مع الإبحار بسرعة عالية، قبل أن تقود التحريات إلى الاشتباه في استخدامه لنقل مهاجرين نحو شبه الجزيرة الإيبيرية.
وفي عملية أخرى، أوقفت الشرطة شخصا يشتبه في مشاركته في تنظيم رحلة بحرية انطلقت من سبتة يوم 14 غشت، وانتهت بوصول سبعة مهاجرين إلى شاطئ إل بورغو في لا لينيا دي لا كونسيبسيون.
وراء هذه التفاصيل الأمنية توجد مأساة إنسانية واضحة. فالمهاجر الذي يدفع آلاف اليوروهات لا يفعل ذلك عادة لأنه يبحث عن المغامرة، بل لأنه وصل إلى مرحلة أصبح فيها مستعدا للمخاطرة بكل شيء من أجل الوصول.
وهنا تتغذى شبكات التهريب على اليأس.
كلما طال انتظار المهاجر، وكلما بقي عالقا بلا أفق واضح، ارتفعت قدرة المهربين على استغلاله ورفع السعر. يتحول الانتظار إلى ورقة ضغط، والخوف إلى وسيلة ابتزاز، والحلم بحياة أفضل إلى سلعة تباع بآلاف اليوروهات.
لكن السؤال الأكبر يبقى خارج القوارب وخارج قبضة الشرطة: لماذا وصل هؤلاء أصلا إلى مرحلة الاستعداد لدفع 8 أو 9 آلاف يورو من أجل قارب صغير قد لا يعبر بهم البحر؟
تفكيك الشبكات الإجرامية ضروري، ومحاسبة المهربين واجب، لأن استغلال البشر بهذه الطريقة جريمة لا يمكن التساهل معها. لكن مواجهة الظاهرة لا يمكن أن تنتهي عند اعتقال خمسة أشخاص، لأن المهرب الذي يتم توقيفه قد يكون مجرد حلقة في منظومة أكبر تتغذى على الهجرة واليأس والانتظار وانسداد الأفق.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع القارب السريع، وإنما مع الظروف التي تجعل شخصا مستعدا لدفع 9 آلاف يورو من أجل أن يركب قاربا لا يتوفر فيه حتى على سترة نجاة.
وفي النهاية، يبقى البحر هو الطرف الذي لا يقبل الرشوة.
المهرب يأخذ أمواله ويعود إلى البر.
أما المهاجر، فقد يجد نفسه وحيدا في الظلام، وسط الضباب والأمواج، دون سترة نجاة، ودون وسيلة اتصال، ودون ضمان أن يصل إلى الضفة الأخرى.
8 آلاف يورو قد تكون ثمن رحلة بالنسبة للمهرب، لكنها قد تكون ثمن حياة بالنسبة للمهاجر.
وهذا هو الوجه الأكثر قسوة للهجرة التي تحولت، في بعض الحالات، من حلم بالوصول إلى تجارة منظمة في المخاطر، حيث يدفع الإنسان آلاف اليوروهات فقط لكي يحصل على فرصة للنجاة.




