المغرب

بنكيران يفتح دفاتر تزوير الإنتخابات والبلوكاج: اتهامات تعيد معركة 2016 إلى الواجهة

عاد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، إلى واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ السياسة المغربية الحديثة، مستحضرا كواليس مرحلة ما بعد انتخابات 2016، حين دخل الحزب في أزمة سياسية انتهت بإعفاء بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة وتعيين سعد الدين العثماني خلفا له.

بنكيران قال إن هناك من كان يريد «تزوير الانتخابات» من أجل رفع حظوظ حزب الأصالة والمعاصرة، مضيفا أن الملك هو الذي منع ذلك. كما وجه اتهامات مباشرة إلى إدريس لشكر وعزيز أخنوش، معتبرا أنهما خططا لما عرف آنذاك بـ«البلوكاج» الذي أعاق تشكيل حكومة يقودها حزب العدالة والتنمية.

هذه التصريحات، كما نقلت، لا تبدو مجرد استعادة لذكريات سياسية قديمة، بل محاولة لإعادة فتح ملف ظل حاضرا في خطاب بنكيران وأنصاره باعتباره محطة مفصلية في مسار الحزب وفي علاقة الفاعلين السياسيين بعضهم ببعض.

فـ«البلوكاج» لم يكن مجرد خلاف حول توزيع الحقائب الوزارية. لقد تحول إلى معركة سياسية حقيقية حول من يملك القدرة على تشكيل الحكومة، ومن يملك حق وضع شروط المشاركة فيها، وما إذا كان الأمر يتعلق بتفاوض طبيعي بين الأحزاب أم بمحاولة إنهاك الحزب المتصدر للانتخابات ودفعه إلى تقديم تنازلات متتالية.

واللافت في تصريحات بنكيران هو انتقال النقاش من مستوى التحليل السياسي إلى مستوى الاتهام المباشر. الحديث عن محاولة «تزوير الانتخابات» ليس اتهاما عاديا، كما أن تحميل شخصيات سياسية محددة مسؤولية التخطيط للبلوكاج يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد خلاف بين زعماء أحزاب.

إذا كانت هذه الاتهامات تستند إلى معطيات أو وقائع محددة، فإن من حق الرأي العام أن يعرف تفاصيلها، خصوصا أن الانتخابات ليست شأنا حزبيا خاصا، بل مؤسسة أساسية في بناء الشرعية السياسية. أما إذا كانت مجرد قراءة سياسية للأحداث بعد مرور سنوات، فإنها تظل جزءا من الصراع السياسي، ومن حق الأطراف المعنية أن ترد وتقدم روايتها.

المثير في الأمر أن بنكيران لا يتحدث عن مرحلة عابرة، بل عن لحظة يرى أنها غيرت مسار السياسة المغربية. فحزب العدالة والتنمية خرج من انتخابات 2016 متصدرا النتائج، لكنه لم يتمكن من تشكيل الحكومة بقيادة أمينه العام، قبل أن يتم تعيين سعد الدين العثماني لتولي المهمة.

ومنذ ذلك الحين، ظل بنكيران يقدم تلك المرحلة باعتبارها لحظة استهداف سياسي لمشروع حزبه، بينما يرى خصومه أن ما وقع كان نتيجة طبيعية لصراع المصالح والتحالفات وحق باقي الأحزاب في التفاوض وفرض شروطها.

وهنا تحديدا تكمن أهمية تصريحات اليوم: لأنها تعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل كان البلوكاج مجرد خلاف سياسي حول تشكيل الحكومة، أم أنه كان جزءا من عملية أكبر لإعادة ترتيب موازين القوى؟

أما إدريس لشكر وعزيز أخنوش، اللذان ورد اسماهما في رواية بنكيران، فالمسألة بالنسبة إليهما ليست تفصيلا عابرا، لأن الاتهام يضعهما مباشرة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية تستدعي الرد، خصوصا عندما يتعلق الأمر بادعاء التخطيط لإفشال تشكيل حكومة يقودها الحزب الفائز.

وفي السياسة، الذاكرة لا تموت بسهولة. الملفات التي يعتقد السياسيون أنها أغلقت تعود كلما تغيرت موازين القوى، وكلما اقتربت الانتخابات، وكلما احتاجت الأحزاب إلى استحضار الماضي لتفسير الحاضر.

وهكذا يعيد بنكيران إخراج «دفتر البلوكاج» من الأرشيف، ويضعه فوق الطاولة من جديد، لكن هذه المرة أمام جيل من الناخبين لم يعش تفاصيل تلك المرحلة كما عاشها أصحابها.

ويبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام مجرد تصفية حسابات سياسية مؤجلة، أم أن بنكيران يلمح إلى وقائع جديدة يرى أنها تستحق إعادة فتح النقاش حول ما جرى سنة 2016؟

في كل الأحوال، تصريحات من هذا النوع لا يمكن التعامل معها كأنها مجرد كلام انتخابي عابر. فهي تتعلق بالانتخابات، وبنزاهتها، وبطريقة تشكيل الحكومة، وبالعلاقة بين الأحزاب ومؤسسات الدولة. ولذلك فإن الرد الأنسب عليها ليس بالصراخ السياسي ولا بالاتهامات المضادة، وإنما بكشف الوقائع ووضعها أمام الرأي العام.

فإذا كان بنكيران يملك رواية موثقة عن «تزوير» كان سيغير نتائج الانتخابات، وعن مخطط سياسي للبلوكاج، فقد حان وقت التفاصيل.

أما أن تبقى السياسة المغربية رهينة لـ«قال بنكيران» و«قال لشكر» و«قال أخنوش»، فهذا يعني أن جزءا كبيرا من تاريخها الحديث ما زال يكتب في الكواليس، بينما ينتظر المواطن أن يعرف ماذا حدث فعلا خلف الستار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى