المغرب

حين تتحول الامتيازات إلى مطالب جديدة: أساتذة الجامعة بين رسالة العلم وإغراء المحاماة


في مشهد يثير الكثير من الجدل، يستعد أساتذة جامعيون للاحتجاج من أجل توسيع حقهم في ولوج مهنة المحاماة، وهو مطلب قد يبدو في ظاهره مهنياً مشروعاً، لكنه في عمقه يكشف عن إشكال أكبر يرتبط بطبيعة توزيع الفرص داخل المجتمع، وبحدود الجمع بين الامتيازات والحقوق.
القضية هنا لا تتعلق فقط بفئة مهنية تسعى لتوسيع آفاقها، بل تضعنا أمام مفارقة صارخة: أساتذة يتقاضون أجورهم من المال العام، ويتمتعون باستقرار وظيفي نسبي، يطالبون اليوم بإمكانية دخول سوق مهنية تعرف أصلاً اكتظاظاً شديداً، في وقت يقف فيه آلاف الشباب، خريجو الجامعات نفسها، على هامش الحياة الاقتصادية، عاجزين عن الظفر بأبسط فرصة عمل.
من حيث المبدأ، لا يمكن إنكار أن الأستاذ الجامعي، خاصة في تخصصات القانون، يمتلك مؤهلات معرفية تخول له ممارسة المحاماة بكفاءة. غير أن الإشكال لا يكمن في الكفاءة، بل في توازن الفرص. فهل من العدل أن يفتح المجال أمام من يملكون أصلاً امتياز الوظيفة العمومية، لمنافسة شباب لم يحصل بعد حتى على فرصة أولى لإثبات الذات؟
إن توسيع دائرة الجمع بين الوظائف يطرح تساؤلات جدية حول تأثير ذلك على جودة الأداء. فمهنة التدريس الجامعي ليست مجرد وظيفة، بل هي رسالة تتطلب تفرغاً ذهنياً وبحثياً مستمراً. فكيف يمكن التوفيق بين متطلبات البحث العلمي، وتأطير الطلبة، وبين التزامات مهنة المحاماة بما تتطلبه من حضور ومتابعة يومية للملفات والقضايا؟
الأخطر من ذلك، أن هذا النقاش يعكس خللاً بنيوياً في تصورنا لسوق الشغل. بدل أن تتجه السياسات العمومية نحو خلق فرص جديدة وتوسيع قاعدة المستفيدين، نجد أنفسنا أمام منطق إعادة توزيع الفرص داخل نفس الدائرة الضيقة، حيث يسعى البعض إلى الجمع بين أكثر من مصدر دخل، بينما يُترك آخرون خارج اللعبة بالكامل.
في المغرب، حيث تتفاقم معدلات البطالة في صفوف حاملي الشهادات، يصبح من الضروري إعادة طرح سؤال العدالة الاجتماعية بشكل أكثر إلحاحاً. فالقضية لم تعد فقط قانونية أو مهنية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على ضمان تكافؤ الفرص.
ليس المطلوب منع التطور المهني أو تقييد الطموح، بل وضع ضوابط واضحة تضمن عدم تحول الامتياز إلى احتكار، وعدم تحول الحق إلى وسيلة لإقصاء الآخرين. فالمجتمع الذي يسمح بتراكم الفرص لدى فئة محدودة، مقابل حرمان فئات واسعة، هو مجتمع يعيد إنتاج التفاوت بدل أن يعالجه.
في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نحن أمام مطالب إصلاحية تسعى لتطوير المهن، أم أمام حلقة جديدة في مسلسل توسيع الفوارق؟ الجواب لن تحدده الشعارات، بل القرارات التي ستُتخذ، ومدى قدرتها على تحقيق التوازن بين الحق الفردي والعدالة الجماعية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى