رشوة بـ2000 درهم في مراكش.. عندما تتحول الوظيفة إلى باب للمساومة

لم تعد الرشوة في بعض الحالات مجرد مبلغ مالي يدس خفية في يد موظف، بل أصبحت بالنسبة للبعض محاولة لتحويل المرفق العمومي إلى مساحة للمساومة، حيث تتحول وثيقة إدارية أو خدمة يفترض أن تقدم وفق القانون إلى فرصة لتحقيق منفعة شخصية.
في مراكش، أعادت قضية توقيف موظف يشتغل بقسم قضاء القرب بقصر العدالة بسيدي يوسف بن علي، للاشتباه في تورطه في تلقي رشوة، هذا النقاش إلى الواجهة من جديد. فقد تم ضبط المعني بالأمر، بحسب المعطيات المتوفرة، متلبسا بتلقي مبلغ قدره 2000 درهم داخل أحد المقاهي بحي جليز، مقابل تسليم شهادة بعدم الطعن.
القضية لم تنكشف بالصدفة، بل جاءت بعد شكاية تقدم بها مواطن من مغاربة العالم عبر الرقم الأخضر المخصص للتبليغ عن الفساد، ليتم إعداد كمين أمني بتنسيق معه، انتهى بضبط المشتبه فيه في حالة تلبس.
وقد تم إخضاع المعني بالأمر للإجراءات القانونية تحت إشراف النيابة العامة المختصة، في انتظار استكمال البحث والكشف عن جميع ظروف وملابسات الواقعة، وتحديد ما إذا كانت هناك أطراف أخرى لها علاقة بالأفعال موضوع التحقيق.
لكن بعيدا عن تفاصيل هذه القضية التي ستحدد العدالة مسؤوليات أصحابها، تظل الرشوة واحدة من أخطر الممارسات التي تضرب الثقة في المؤسسات. فالمواطن عندما يعتقد أن حصوله على حقه يحتاج إلى مبلغ إضافي، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بمبلغ 2000 درهم، بل تصبح مرتبطة بصورة المرفق العمومي بأكمله.
الأخطر أن الرشوة تخلق إحساسا خطيرا بأن القانون وحده لا يكفي، وأن المال يمكن أن يختصر المساطر ويفتح الأبواب المغلقة. وفي هذه الحالة يصبح المواطن النزيه هو المتضرر، لأنه يجد نفسه أمام خيارين: إما انتظار حقه عبر المساطر القانونية، أو الدخول في لعبة الدفع مقابل تسريع الأمور.
ومن هنا تأتي أهمية الرقم الأخضر للتبليغ عن الفساد، لأن محاربة الرشوة لا يمكن أن تكون مسؤولية الأجهزة الأمنية والقضائية وحدها. المواطن أيضا يملك دورا أساسيا عندما يرفض أن يتحول إلى طرف في عملية رشوة، ويختار التبليغ عنها بدل السكوت.
كما أن نجاح مثل هذه العمليات في ضبط المشتبه فيهم متلبسين يبعث برسالة واضحة: الموظف العمومي ليس فوق القانون، والمقابل المالي غير المشروع لا يتحول إلى حق بمجرد أن يطلبه صاحبه أو يعتاد عليه.
لكن المواجهة الحقيقية مع الرشوة لا تنتهي بتوقيف موظف أو إحالة ملف على القضاء. المطلوب هو تجفيف منابعها، وتبسيط المساطر، وتعزيز الرقابة، وحماية المبلغين، وترسيخ ثقافة تجعل طلب الرشوة فعلا مرفوضا اجتماعيا قبل أن يكون جريمة يعاقب عليها القانون.
فالموظف الذي يستغل موقعه للحصول على المال لا يبيع خدمة شخصية من ماله الخاص، وإنما يسيء استعمال وظيفة منحها له القانون لخدمة المواطنين.
ولهذا فإن مبلغ 2000 درهم في هذه القضية ليس هو القضية الحقيقية. القضية الأكبر هي السؤال الذي يجب أن يظل مطروحا: كم يخسر المواطن والمجتمع عندما تصبح بعض الخدمات العمومية قابلة للتسعير تحت الطاولة؟
الجواب لا يقاس بالدرهم والسنتيم، لأن ثمن الرشوة الحقيقي هو انهيار الثقة. وعندما يفقد المواطن ثقته في الإدارة والقضاء والمؤسسات، تصبح محاربة الرشوة معركة دفاع عن الدولة نفسها، وليس مجرد ملاحقة لأشخاص مشتبه في تورطهم فيها.




