البام والشرعي.. حين يصبح الدعم الذي يفترض أن يكون مكسبا عبئا انتخابيا

يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة لم يكن في حاجة إلى خصم جديد في هذه الحملة الانتخابية، فجاءه الدعم من حيث لم يكن يتوقع، وتحول الإعلان السياسي لأحمد الشرعي إلى كرة نار تتدحرج في اتجاه الحزب وقيادته.
الشرعي اختار أن يعلن اصطفاف مجموعته الإعلامية إلى جانب «البام»، وأن يدفع في اتجاه تولي امرأة رئاسة الحكومة المقبلة، في موقف فُهم سياسيا على أنه دعم لفاطمة الزهراء المنصوري. الإعلان جاء قبل أيام قليلة من اقتراع 23 شتنبر، وفي لحظة يفترض فيها أن تبحث الأحزاب عن توسيع دائرة التعاطف معها، لا عن فتح نقاشات إضافية حول هوية من يقف إلى جانبها.
وهنا بدأت المشكلة.
فالسياسة لا تقرأ فقط من خلال عبارة «أنا أدعم هذا الحزب»، وإنما تقرأ أيضا من خلال من يدعم، ولماذا يدعم، وماذا كان يقول بالأمس، وماذا يقول اليوم.
والشرعي ليس اسما مجهولا في النقاش السياسي المغربي. مواقفه المعلنة سابقا بشأن إسرائيل والتطبيع جعلت اسمه مرتبطا بواحد من أكثر الملفات حساسية لدى الرأي العام المغربي. لذلك، عندما يأتي هذا الشخص عشية الانتخابات ليعلن دعمه لـ«البام» ولخيار وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة، يصبح الحزب أمام سؤال لم يختره بنفسه: هل يستطيع أن يفصل بين الدعم الذي تلقاه وبين المواقف السياسية لصاحب هذا الدعم؟
هنا بالضبط بدأت المنصوري في سحب البساط من تحت هذا الربط.
فبدل أن تحتفي بالدعم أو تجعله ورقة قوة، سارعت إلى التأكيد أن الحزب غير مسؤول عن مواقف الآخرين وتصريحاتهم واختياراتهم، وأن موقف «البام» من القضية الفلسطينية تحدده بيانات الحزب ومواقفه الرسمية.
وبلغة سياسية أكثر وضوحا: شكرا على الدعم، لكن لا تحملونا فاتورة مواقفك!
وهذه وحدها مفارقة تستحق التوقف.
فإذا كان الشرعي يرى أن «البام» هو عنوان الحداثة والتقدم، فلماذا احتاج الحزب إلى المسارعة إلى التبرؤ من صاحب هذا الدعم عندما دخلت القضية الفلسطينية إلى الواجهة؟ وإذا كان الدعم يمثل إضافة انتخابية حقيقية، فلماذا بدا الحزب مضطرا إلى التأكيد أن صاحبه لا يمثل مواقفه؟
المشكلة هنا ليست في حق أي ناشر أو رجل إعلام في إعلان موقفه السياسي؛ فهذا حق يمكن مناقشته في إطار حرية التعبير. المشكلة السياسية تبدأ عندما يتحول هذا الإعلان إلى عبء على الجهة التي أُعلن دعمها.
وهذا ما حدث فعلا في غضون أيام قليلة.
الشرعي أراد أن يقدم «البام» باعتباره عنوانا للحداثة، لكن خصوم الحزب وجدوا في دعمه مدخلا لإعادة فتح ملف إسرائيل والتطبيع. والنتيجة أن الحزب وجد نفسه يشرح موقفه من شخص أعلن دعمه له، بدلا من أن يشرح للناخبين برنامجه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
وهنا يمكن فهم حجم المأزق.
حين يحتاج الحزب إلى أن يقول: «لسنا مسؤولين عن مواقف من يدعمنا»، فإن الدعم لم يعد مجرد دعم؛ لقد أصبح مشكلة سياسية تحتاج إلى إدارة.
أما الشرعي، فالمفارقة التي يطرحها حضوره السياسي أكثر حدة. فقد ارتبط اسمه خلال المرحلة السابقة بمساندة تجربة عزيز أخنوش، قبل أن ينتقل الآن إلى إعلان اصطفاف جديد مع «البام». هذا التحول بحد ذاته لا يثبت شيئا غير مشروع، فالفاعلون الإعلاميون والسياسيون يغيرون مواقفهم، لكن توقيت الانتقال، وطريقة الإعلان عنه، وربطه مباشرة بخيار سياسي محدد، يفتحان الباب أمام سؤال مشروع حول طبيعة العلاقة بين الإعلام والسياسة، وحول مدى ثبات المعايير التي تقدم بها المواقف السياسية للناخبين.
والأكثر إثارة أن خطاب «الحداثة» دخل في مواجهة مباشرة مع سؤال فلسطين.
فالحداثة ليست كلمة سحرية تستطيع أن تمسح بقية الأسئلة. ولا يكفي أن يرفع أي حزب شعار الحداثة حتى تنتهي الأسئلة المتعلقة بالسياسة الخارجية، وبالقضية الفلسطينية، وبمواقف الشخصيات التي تصطف إلى جانبه.
بل إن تحويل الانتخابات إلى معركة بين «الحداثة» و«المحافظة» قد يكون مريحا لبعض الخطابات، لكنه لا يعفي أي حزب من الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون.
من يدعمكم؟
لماذا يدعمكم؟
وماذا تمثلون بالنسبة إليه؟
وهل تتبنون فعلا ما يقوله، أم أنكم تريدون أصواته الإعلامية دون تحمل كلفة مواقفه السياسية؟
هذه هي الأسئلة التي وضعها الشرعي، من حيث أراد أو لم يرد، على طاولة «البام».
والأدهى أن المنصوري نفسها وجدت نفسها مضطرة إلى القول إن مواقف الحزب من فلسطين «واضحة ومعروفة»، وإنها لا تتحمل مسؤولية مواقف الآخرين.
لكن السياسة لا تشتغل دائما بهذه البساطة.
فالناخب قد لا يسأل فقط عن البلاغات الرسمية، بل قد ينظر أيضا إلى شبكة العلاقات والاصطفافات والداعمين والرسائل التي تصل إليه من خلف الستار. ولهذا فإن إعلان الدعم في توقيت انتخابي حساس يمكن أن يتحول بسهولة من ورقة قوة إلى مادة سجالية.
وهنا تكمن المفارقة التي أحرجت «البام»: الرجل الذي جاء ليقول إن الحزب هو عنوان الحداثة، انتهى به الأمر إلى وضع الحزب أمام امتحان في القضية الفلسطينية.
وبدل أن يصبح الشرعي جسر عبور نحو شرائح جديدة، تحول حضوره إلى موضوع تستثمره المعارضة في مهاجمة «البام».
وبدل أن يكون السؤال: ماذا سيقدم «البام» للمغاربة؟ أصبح السؤال: من يقف خلف «البام»؟
وبدل أن يكون النقاش حول برنامج المنصوري، أصبح اسم الشرعي ومواقفه من إسرائيل حاضرا في الحملة.
وهكذا، قد يكون الشرعي أراد أن يمنح «البام» قبلة سياسية قبل الاقتراع، لكن القبلة تحولت إلى إحراج انتخابي.
أما المنصوري، فقد اختارت الطريق الأكثر أمانا: تفكيك العلاقة سياسيا، والقول إن الحزب لا يتحمل مسؤولية مواقف الداعمين له.
لكن يبقى السؤال الذي لن تستطيع البيانات وحدها محوه:
هل يستطيع «البام» أن يستفيد من قوة الدعم الإعلامي والسياسي للشرعي، وفي الوقت نفسه يتبرأ من كل ما قد يحمله هذا الدعم من كلفة سياسية؟
هنا لا يتعلق الأمر بالشرعي وحده، ولا بالمنصوري وحدها، بل بصورة حزب يريد أن يقدم نفسه باعتباره قوة سياسية قادرة على قيادة المرحلة المقبلة.
ففي السياسة، ليست كل مساندة مكسبا، وليست كل يد ممدودة هدية.
أحيانا تكون المشكلة ليست في من يهاجمك، وإنما في من يعلن أنه جاء ليساندك.
والشرعي، في هذه الحملة، قد يكون قدم لـ«البام» خدمة إعلامية من جهة، لكنه فتح له في المقابل بابا سياسيا لم يكن الحزب يتمنى أن يدخل منه: باب العلاقة بين السلطة السياسية والإعلام، وباب فلسطين، وباب المواقف من إسرائيل، وباب السؤال الأكبر: من يصنع القرار السياسي، ومن يكتفي بتقديم الدعم له من خارج المؤسسات الحزبية؟
وهذا هو المأزق الحقيقي الذي وجد «البام» نفسه داخله عشية الاقتراع: دعمٌ معلن، وتبرؤٌ من تبعاته، وسؤال فلسطيني لا يستطيع أي شعار عن الحداثة أن يغلقه.




