المغرب

بنكيران في قلب سوس.. حين تدخل المنافسة إلى ما كان يعتبره أخنوش ملعبا انتخابيا مغلقا

بقلم: المسكين يوسف

في الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية، تبدو سوس ماسة وكأنها تقدم واحدة من أكثر الصور دلالة على طبيعة المنافسة السياسية التي تسبق اقتراع 23 شتنبر، بعدما اختار عبد الإله بنكيران أن يحضر بقوة في فضاء انتخابي ارتبط خلال السنوات الأخيرة بالحضور السياسي والتنظيمي لحزب التجمع الوطني للأحرار وقياداته.

وبينما يواصل الأحرار تحركاتهم الميدانية في أكادير إداوتنان، كان بنكيران حاضرا وسط حشد جماهيري كبير، في مشهد أعاد إلى الواجهة سؤالا سياسيا ظل يتردد خلال السنوات الماضية: هل يمكن لأي حزب أن يتعامل مع مجال انتخابي معين باعتباره محسوبا عليه بشكل نهائي، أم أن الانتخابات تظل مفتوحة على المفاجآت إلى آخر لحظة؟

الصورة التي خرجت من لقاء بنكيران لم تكن مجرد صورة لمدرجات ممتلئة أو جماهير تتابع خطاب زعيم حزبي، بل حملت دلالة سياسية أكبر، خصوصا أن أكادير وسوس ماسة ترتبطان في الوعي الانتخابي العام بحضور قوي للتجمع الوطني للأحرار، سواء من الناحية التنظيمية أو من خلال قيادات الحزب وتحركاته الميدانية.

وكان حزب التجمع الوطني للأحرار قد نظم في 13 شتنبر الجاري لقاء تواصليا بأكادير، قال منظموه إنه تجاوز ألفي مشاركة ومشارك، قبل أن يقود عزيز أخنوش، اليوم السبت، جولة ميدانية شملت تغازوت والتامري وأورير، في إطار دعم مرشحي الحزب والتواصل مع الساكنة.

لكن دخول بنكيران إلى المشهد بهذه القوة وفي هذه المرحلة بالذات أضاف عنصرا جديدا إلى المنافسة، وجعل العبارة التي بدأت تتردد بين المتابعين أكثر حضورا: بنكيران اقتحم ملعب أخنوش.

والحديث هنا، بطبيعة الحال، ليس عن اقتحام بالمعنى الحرفي، وإنما عن صورة سياسية تقول إن المجال الذي قد يعتبره البعض قلعة انتخابية للأحرار، لم يعد يبدو مغلقا أمام الخصوم، وإن المنافسة يمكن أن تكون أكثر تعقيدا مما توحي به الحسابات السابقة.

بنكيران لم يأت إلى سوس باعتباره اسما عاديا داخل حملة انتخابية، بل باعتباره أحد أكثر الوجوه السياسية قدرة على تحويل اللقاءات الجماهيرية إلى لحظات سياسية تستقطب الانتباه، وهو ما يجعل حضوره في أي منطقة يحمل معه بالضرورة أسئلة تتجاوز حدود اللقاء نفسه.

ومن هذه الزاوية، فإن ما وقع في سوس يستحق القراءة بعيدا عن المبالغة في تفسيره. فالحضور الجماهيري الكبير لا يعني تلقائيا أن الأصوات ستذهب إلى الحزب نفسه يوم الاقتراع، كما أن قدرة حزب على تنظيم تجمع قوي لا تعني وحدها أنه حقق تقدما انتخابيا. لكن في المقابل، سيكون من الخطأ أيضا التعامل مع هذا الحضور وكأنه مجرد تفصيل عابر لا يحمل أي دلالة.

فالانتخابات ليست فقط أرقاما تظهر بعد إغلاق مكاتب التصويت، وإنما هي أيضا قدرة على التعبئة، وتنظيم الصفوف، والوصول إلى المواطنين، وتحريك القواعد والمتعاطفين، وإعادة وضع الحزب داخل المنافسة في اللحظات التي يكون فيها كل طرف مطالبا بإظهار قوته الميدانية.

وهنا تحديدا تظهر شخصية بنكيران السياسية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التواصل المباشر مع الجمهور، واستحضار القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين، فضلا عن قدرته على تحويل المنابر الانتخابية إلى فضاءات للنقاش السياسي الحاد، وهو ما يمنح حضوره أثرا يتجاوز أحيانا عدد المشاركين في اللقاء نفسه.

ولعل السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل لا يزال في رصيد العدالة والتنمية ما يكفي من الأوراق لمفاجأة خصومه وإعادة خلط بعض الحسابات في اللحظات الأخيرة؟

هذا السؤال لا يعني أن الحزب حسم شيئا، ولا يعني أن المدرجات الممتلئة يمكن أن تتحول بشكل آلي إلى أصوات انتخابية، لكنه يكشف في المقابل أن الحزب لا يزال يملك قدرة على التعبئة وإخراج أنصاره ومتعاطفيه إلى الفضاء العام، وأن جزءا من قوته التنظيمية والشعبية قد لا يكون ظاهرا دائما في المشهد السياسي اليومي.

والأهم من ذلك أن بنكيران، من خلال حضوره في قلب سوس، أعاد طرح فكرة كانت تبدو لدى البعض مستقرة: فكرة الملعب الانتخابي المغلق.

فلا توجد، قبل إعلان النتائج، منطقة يمكن اعتبارها محسومة بشكل نهائي، ولا يوجد حزب يستطيع أن يتعامل مع أصوات الناخبين باعتبارها مضمونة سلفا. قد تكون هناك مناطق ذات ثقل تاريخي أو تنظيمي لحزب معين، وقد تكون هناك قيادات تتمتع بحضور واسع، وقد تتوفر شبكات انتخابية قوية، لكن الصندوق يظل في النهاية هو المجال الذي تلتقي فيه كل هذه العوامل.

وفي الجهة المقابلة، لا يمكن فصل حضور بنكيران عن التحركات المكثفة التي يخوضها الأحرار في المنطقة. فالحزب لم يكن غائبا عن سوس، بل كثف خلال الأيام الأخيرة من حضوره الميداني، وكان أخنوش نفسه في الميدان، متنقلا بين تغازوت والتامري وأورير، في إطار دعم مرشحي الحزب والتواصل مع المواطنين.

كما أن الجولة الانتخابية في أورير شهدت، وفق تقارير صحفية منشورة، احتجاجات وتوترا، مع حديث عن ارتباط بعض الاحتجاجات بغلاء المعيشة. وهذه الواقعة تبقى منفصلة عن حجم الحضور في لقاء بنكيران، ولا ينبغي الخلط بين الحدثين، لكنها في الوقت نفسه تدخل ضمن المشهد الانتخابي العام الذي يتشكل في المنطقة خلال الساعات الأخيرة من الحملة.

وهكذا تبدو سوس اليوم أمام مشهد سياسي متعدد الأوجه: حزب يملك حضورا تنظيميا ومؤسساتيا قويا ويواصل حملته الميدانية، وفي المقابل حزب العدالة والتنمية يرسل من خلال لقاء بنكيران رسالة مفادها أن حضوره لم ينته، وأن لديه القدرة على العودة إلى الواجهة عندما تدخل المنافسة مراحلها الأخيرة.

ومن هنا يمكن فهم العبارة التي تختصر المشهد: بنكيران اقتحم ملعب أخنوش.

إنها ليست نتيجة انتخابية، وليست حكما مسبقا على اتجاهات الناخبين، وإنما توصيف للصورة السياسية التي ظهرت في الأيام الأخيرة من الحملة. فالرجل دخل إلى فضاء كان يعتبره البعض مجالا انتخابيا شديد الارتباط بالأحرار، ونجح في تحويل حضوره إلى حدث سياسي يستحق المتابعة.

واللافت أن هذه العودة إلى الواجهة تأتي في وقت تتجه فيه الأحزاب إلى استنفاد آخر أوراقها الانتخابية، حيث لم تعد أمامها مساحة زمنية كبيرة للمناورة، وأصبح كل تجمع وكل جولة ميدانية وكل خطاب جزءا من محاولة التأثير في المشهد قبل أن ينتقل القرار من المنصات إلى صناديق الاقتراع.

ولذلك فإن ما حدث في سوس لا ينبغي أن يتحول إلى إعلان مبكر عن فوز هذا الطرف أو خسارة ذاك، كما لا ينبغي أن تتم قراءته بعيدا عن السياق العام للمنافسة. فالجمهور الذي يحضر تجمعا انتخابيا ليس بالضرورة هو نفسه الذي يصوت، والحماس الذي يظهر في الساحات لا يمكن ترجمته آليا إلى أرقام داخل صناديق الاقتراع.

لكن هناك حقيقة سياسية واحدة يصعب تجاهلها: بنكيران دخل إلى سوس بقوة، والأحرار موجودون بقوة أيضا، وهو ما يجعل المنطقة واحدة من أكثر الساحات إثارة للاهتمام في الساعات الأخيرة من الحملة.

لقد كان البعض يتعامل مع بعض المجالات الانتخابية كما لو أنها ملاعب مغلقة، حيث يكفي اسم الحزب أو نفوذ الزعيم أو قوة التنظيم لتحديد اتجاه المنافسة مسبقا. غير أن ظهور بنكيران بهذا الشكل يعيد التذكير بأن السياسة لا تعرف دائما الحسابات المستقيمة، وأن الحزب الذي يبدو في لحظة ما خارج دائرة الضوء قد يعود في لحظة أخرى ليضع نفسه في قلب المشهد.

ورصيد العدالة والتنمية، من خلال هذه الصورة على الأقل، لا يبدو وكأنه أصبح مجرد ذكرى من انتخابات سابقة. فالحزب أظهر أن لديه ما يكفي من التنظيم والتعبئة والقدرة على إخراج الجماهير إلى الشارع، وأن بنكيران لا يزال قادرا على تحويل حضوره إلى لحظة سياسية تتجاوز حدود اللقاء الذي يحضر فيه.

وفي المقابل، فإن قوة حضور الأحرار وتحركات أخنوش في المنطقة تؤكد أن المنافسة ليست من طرف واحد، وأن الحزب يخوض بدوره سباقا ميدانيا مكثفا قبل موعد الاقتراع.

وبين بنكيران وأخنوش، وبين تجمع جماهيري وجولة ميدانية، وبين خطابات الوعود وانتظارات المواطنين، تتحول سوس ماسة في الساعات الأخيرة إلى مساحة سياسية مفتوحة على أكثر من احتمال، لا لأن نتيجة معينة باتت واضحة، وإنما لأن كل طرف يحاول أن يثبت أن لديه ما يكفي من الأوراق لمواصلة المنافسة حتى اللحظة الأخيرة.

لقد دخل بنكيران إلى ما كان يعتبره البعض ملعب أخنوش، لكنه لم يدخل إليه باعتباره صاحب نتيجة محسومة، وإنما باعتباره منافسا أعاد فتح النقاش حول طبيعة هذا الملعب نفسه: هل هو فعلا مغلق، أم أن أبوابه ظلت مفتوحة في انتظار يوم الاقتراع؟

الجواب لن تمنحه المنصات، ولن تحدده المدرجات الممتلئة، ولن تحسمه الجولات الانتخابية للزعماء، وإنما ستكتبه أرقام صناديق الاقتراع.

وإلى أن تظهر تلك الأرقام، يبقى المشهد مفتوحا: الأحرار يتحركون في سوس، وبنكيران يحشد في قلبها، والمنافسة تدخل أمتارها الأخيرة، فيما تظل الكلمة النهائية للناخب يوم 23 شتنبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى