نبيلة منيب: حكومة لو علمت أن القيامة غدا لرفعت ثمن سجادة الصلاة!

تقول المقولة الساخرة: “نحن نعيش مع حكومة لو علمت أن يوم القيامة غدا لرفعت سعر سجادة الصلاة”، وهي من تلك العبارات التي تضحكك في البداية، ثم تجعلك تفكر قليلا قبل أن تكتشف أن وراء النكتة مرارة اجتماعية حقيقية.
ففي زمن أصبح فيه المواطن يفتح عينيه كل صباح ليتأكد: ماذا ارتفع ثمنه اليوم؟ لم يعد من الصعب تخيل حكومة تعقد اجتماعا استثنائيا حتى في الساعات الأخيرة قبل القيامة، ليس من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإنما من أجل دراسة “مستجدات السوق” و”تداعيات ارتفاع الطلب” و”الفرص الاستثمارية المرتبطة بالظرفية”.
تخيلوا المشهد: خبر عاجل يصل إلى مقر الحكومة: “غدا يوم القيامة”. اجتماع طارئ، هواتف ترن، ملفات تفتح، ومسؤولون يتبادلون النظرات بجدية كبيرة. المواطن ينتظر قرارا يطمئنه، فإذا به يسمع: “نظرا للارتفاع المرتقب في الطلب على سجادات الصلاة، تقرر مراجعة الأسعار”.
في البداية قد يكون الثمن خمسين درهما، ثم يصبح ثمانين، وبعدها مئة وعشرين، وعندما يحتج المواطن يأتيه الجواب الذي أصبح يصلح لكل شيء: العرض والطلب، وتقلبات السوق، وارتفاع تكاليف النقل، والظروف الدولية.
حتى يوم القيامة لن ينجو المواطن من “الظرفية الدولية”.
وقد يظهر محلل اقتصادي على شاشة التلفزيون ليشرح لنا بكل جدية أن ارتفاع سعر السجادة أمر طبيعي، لأن الناس سيقبلون على الصلاة، وبالتالي سيرتفع الطلب، ومن غير المنطقي أن تبقى الأسعار في مكانها. وربما يضيف أن الحكومة لا تتدخل في الأسعار، وأن السوق هو الذي يحددها.
المواطن، في هذه اللحظة، لن يجد سوى سؤال بسيط: إذا كان السوق حرا إلى هذه الدرجة في تحديد الأسعار، فلماذا لا يكون المواطن حرا أيضا في تحديد أجره؟
لماذا تتحرك الأسعار بسرعة، بينما تتحرك الأجور ببطء شديد؟ لماذا كل شيء يجد طريقه إلى جيب المواطن، بينما الراتب يجد ألف عذر قبل أن يصل إليه؟
وهنا بالضبط تتحول النكتة إلى رسالة سياسية واجتماعية. فالمشكلة ليست في سجادة الصلاة، وإنما في الإحساس المتزايد لدى المواطن بأن كل شيء يمكن أن يتحول إلى سلعة، وكل حاجة يمكن أن تصبح فرصة للربح، وكل زيادة يمكن أن تجد لها تبريرا جاهزا.
اليوم نتحدث بسخرية عن سجادة الصلاة، وغدا ربما نسخر من ثمن الهواء إذا أصبح يباع في قنينات، وبعد غد قد نحتاج إلى انتظار عرض ترويجي حتى نتمكن من شراء أبسط ضروريات الحياة.
والمضحك المبكي أن المواطن لم يعد يحتاج إلى شرح طويل حتى يفهم النكتة. يكفي أن يعيش يومه العادي: يخرج من البيت، يركب وسيلة نقل، يشتري بعض الحاجيات، يؤدي فاتورة، يبحث عن ثمن أقل، ثم يعود إلى البيت وهو يحسب ما تبقى في جيبه.
لذلك، فإن مقولة “حكومة لو علمت أن القيامة غدا لرفعت سعر سجادة الصلاة” ليست مجرد سخرية من الحكومة، بل هي مرآة لقلق اجتماعي أوسع: الخوف من أن يصبح الغلاء قاعدة، وأن يتحول المواطن من صاحب حق في العيش الكريم إلى مجرد مستهلك مطالب دائما بالتكيف مع الزيادات.
أما الحكومة، فربما ستقول لنا إن الأمور تحت السيطرة، وإن المؤشرات إيجابية، وإن الإصلاحات مستمرة، وإن الاقتصاد صامد.
والمواطن سيهز رأسه ويقول: “الله يعطيكم الخير، ولكن واش ممكن غير نعرفو شحال غادي تبقى لينا من الفلوس حتى لآخر الشهر؟”
وفي النهاية، إذا جاء يوم القيامة فعلا غدا، فمن يدري؟ ربما لن يكون السؤال الأول: ماذا سنفعل أمام النهاية؟ بل سيكون السؤال الأكثر واقعية في بلاد الأسعار المتحركة:
“واش حتى سجادة الصلاة زادو فيها؟”
وعندها فقط، يمكن للمواطن أن يرفع يديه إلى السماء ويقول:
“اللهم اجعل القيامة قبل الزيادة المقبلة!”




