المغرب

حين يصبح الإنترنت مزعجا: هل بدأت الأحزاب تخاف من صوت لا تملك ميكروفونه؟

يبدو أن شيئا ما تغير في علاقة بعض الأحزاب المغربية بمواقع التواصل الاجتماعي. فبعد سنوات كان فيها العالم الافتراضي مجالا مفتوحا لعرض الحصيلة، وتلميع الصورة، وتعبئة الأنصار، صار فجأة مليئا بـ”الحسابات المشبوهة” و”الأكاذيب” و”الادعاءات” و”المحتويات المعدلة بالذكاء الاصطناعي”.

حزب الأصالة والمعاصرة بتارودانت خرج ببلاغ تحذيري يتحدث عن حسابات حديثة الإنشاء، وتعليقات متشابهة، وتفاعلات متزامنة، ومحتويات يشتبه في إنشائها أو تعديلها بواسطة الذكاء الاصطناعي، داعيا المواطنين إلى الحذر من المحتويات مجهولة المصدر. وفي الاتجاه نفسه تقريبا، تحدث محمد شوكي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار، عن أكاذيب وادعاءات قال إنها تروج في حقه عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

والسؤال هنا ليس: هل توجد حسابات وهمية؟ بالطبع يمكن أن توجد. وهل يمكن استعمال الذكاء الاصطناعي لصناعة محتويات مضللة؟ بالتأكيد. وهل من حق أي حزب أو سياسي أن يبلغ عن محتوى يعتقد أنه مخالف للقانون؟ نعم.

لكن السؤال الذي يستحق أن يطرق الطاولة بقوة هو: لماذا ارتفع منسوب القلق من مواقع التواصل الاجتماعي الآن بهذا الشكل؟

أين كانت هذه الحساسية عندما كانت المعارضة هي التي تتلقى الضربات اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي؟ أين كانت البلاغات التحذيرية عندما كانت المنصات الرقمية تتحول إلى ساحة مفتوحة لانتقاد أحزاب الحكومة وبرامجها ووزرائها؟ ولماذا كان الإنترنت في تلك المرحلة مقبولا عندما كان يخدم سردية سياسية معينة، ثم أصبح فجأة بحاجة إلى مراقبة وتدقيق عندما بدأ يطرح أسئلة محرجة على أصحاب القرار والمرشحين؟

الأمر لا يتعلق بالدفاع عن الحسابات الوهمية، ولا بمنح حصانة للأخبار الكاذبة. بل يتعلق بشيء أبسط: هل المطلوب حماية النقاش العمومي من التضليل، أم حماية الصورة السياسية من النقد؟

وهنا تحضر قضية أخرى لا يمكن تجاهلها: المال الذي تنفقه الأحزاب والحملات والفاعلون السياسيون على التواصل والدعاية والإشهار والإعلام. فإذا كانت الأحزاب تدرك منذ سنوات أن الصورة السياسية أصبحت جزءا من المعركة الانتخابية، وأن الوصول إلى المواطن يمر عبر الصحافة والمواقع والمنصات الاجتماعية، فلماذا يبدو أن بعض الأصوات الرقمية الصغيرة أصبحت اليوم أكثر إزعاجا من كل تلك الإمكانيات الإعلامية الكبيرة؟

بل إن المفارقة أكبر: عندما تكون عشرات الصفحات والمواقع تنقل خطاب الحزب، وتكرر حصيلته، وتنشر صور مسؤوليه، وتفتح له المنابر، لا أحد يسأل كثيرا عن طبيعة هذا المحتوى. لكن عندما تظهر صفحة صغيرة لا تتحدث بلغة الحزب، أو مواطن يكتب تدوينة تنتقد مسؤولا، أو فيديو ينتشر خارج دائرة التحكم، يبدأ الحديث عن الحسابات المشبوهة والأجندات الخفية والذكاء الاصطناعي.

وهذه ليست أول مرة يحدث فيها ذلك.

لقد سبق لعبد اللطيف وهبي أن دخل في مواجهة كلامية مع بعض المنتقدين والنشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، ووصف بعضهم بعبارات أثارت جدلا واسعا، قبل أن يصبح الفضاء الرقمي نفسه جزءا أساسيا من المعركة السياسية والإعلامية.

لكن السؤال الذي لا يزال قائما: هل تستطيع الأحزاب أن تعطينا أمثلة واضحة عن أسماء وازنة من مختلف الأحزاب السياسية كانت قد خرجت بالحدة نفسها لمواجهة مدوني مواقع التواصل الاجتماعي عندما كانت هذه المنصات تنتقد خصومها؟

لأن الديمقراطية لا تعمل بمنطق: “الانتقاد جميل عندما يصيب خصمي، وخطير عندما يصيبني”.

إذا كان الحساب وهميا، فليثبت ذلك. وإذا كان المحتوى مفبركا، فليتم كشف مصدره. وإذا كان هناك تنسيق ممنهج أو تمويل غير مشروع، فلتتحرك الجهات المختصة. أما أن يتحول كل نقد إلى “حملة”، وكل منشور مزعج إلى “حساب مشبوه”، وكل صورة غير مريحة إلى “ذكاء اصطناعي”، فهذه وصفة خطيرة قد تجعل المواطن يشك حتى في البيانات التي يفترض أن يثق بها.

ثم هناك سؤال أكثر إحراجا: هل أصبحت بعض الأحزاب تريد من الإنترنت أن يعمل باتجاه واحد؟

عندما يمدح الحزب، تكون المنصات فضاء للتواصل مع المواطنين. وعندما تنشر الحصيلة الحكومية، تصبح وسائل التواصل أداة حديثة للديمقراطية. وعندما تنتشر صور المسؤولين ولقاءاتهم، يصبح التفاعل الرقمي نجاحا جماهيريا.

لكن عندما ينتشر النقد، يصبح الأمر “حسابات مشبوهة”.

وعندما تنتشر الأسئلة، تصبح “أكاذيب”.

وعندما تنتشر السخرية السياسية، يصبح أصحابها بحاجة إلى تفسير.

وعندما تنتشر رواية لا تخدم الحزب، يبدأ البحث عن الذكاء الاصطناعي.

فأي إنترنت هذا الذي نريده؟

إن كان المطلوب حماية المواطن من التضليل، فمرحبا بكل آلية للتحقق، وبكل بلاغ يكشف الحقيقة بالأدلة. لكن إذا كان الهدف غير المعلن هو إسكات المساحات التي لا تستطيع الأحزاب التحكم فيها، فالمشكلة ليست في فيسبوك ولا في تيك توك ولا في الذكاء الاصطناعي، وإنما في عقلية سياسية لم تستوعب بعد أن المواطن لم يعد ينتظر نشرة الحزب كي يعرف ماذا يحدث.

اليوم يستطيع شاب بهاتف متواضع أن يصور واقعة، ويكتب تعليقا، وينشر وثيقة، ويسأل مسؤولا، ويقارن بين وعد قديم وواقع جديد، ثم يصل كلامه إلى آلاف الناس دون أن يمر عبر مكتب سياسي أو جريدة أو قناة تلفزيونية.

وهذا بالضبط ما يجعل الفضاء الرقمي مزعجا.

ليس لأنه دائما على حق، بل لأنه لم يعد قابلا للاحتكار.

والأحزاب التي تريد الوصول إلى الحكومة أو الاستمرار فيها مطالبة بأن تفهم أن المعركة لم تعد فقط بين حزب وحزب، ولا بين أغلبية ومعارضة. هناك لاعب جديد في الساحة اسمه المواطن الرقمي، لا ينتظر دعوة إلى اجتماع حزبي، ولا يحتاج بطاقة انخراط حتى يقول إن الأسعار ارتفعت، أو إن وعدا لم يتحقق، أو إن مسؤولا أخطأ، أو إن حصيلة ما تحتاج إلى نقاش.

والأهم من ذلك كله: لا يمكن بناء الثقة السياسية عبر مطالبة المواطن بترديد “قطعة موسيقية” واحدة عن الإنجازات، ثم اعتبار كل صوت خارج اللحن مؤامرة.

إذا كانت الإنجازات موجودة، فلتصمد أمام النقد.

وإذا كانت الأرقام صحيحة، فلتواجه المقارنة.

وإذا كانت الوعود تحققت، فليعرض أصحابها ما تحقق منها وما لم يتحقق.

وإذا كانت المنشورات كاذبة، فليتم تفنيدها بالوثائق لا بالانزعاج.

أما المواطن، فليس مطلوبا منه أن يتحول إلى كورال انتخابي يردد الأغنية نفسها من الصباح إلى المساء.

فالسياسة التي تطلب التصفيق فقط لا تحتاج إلى انتخابات، والسياسة التي تقبل النقد كما تقبل المدح هي وحدها التي تستطيع أن تقنع المواطن بأن الإنجاز أهم من الدعاية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى