
بقلم: المسكين يوسف
في زمن انتخابي كثرت فيه الوعود حتى أصبح المواطن يسمع الكلام نفسه في كل موسم انتخابي، من حقنا أن نتوقف عند بعض التجارب التي تستحق الإنصاف، لا محاباة ولا تملقا ولا بحثا عن مصلحة، وإنما لأن من واجب الصحافة أن تقول الحقيقة كاملة، وأن تنتقد من يستحق النقد كما تنصف من يستحق الإنصاف. ومريم وحساة، المنتمية إلى حزب التقدم والاشتراكية، واحدة من الحالات التي تستحق أن نتوقف عندها، ونحن نؤكد منذ البداية أنه لا تجمعنا بها أي علاقة من قريب أو بعيد. القضية هنا ليست الماء الصالح للشرب وحده، وإن كان الماء بالنسبة إلى سكان المناطق الجبلية قضية حياة وكرامة، وإنما يتعلق الأمر بصورة أوسع لعمل ميداني يقوم، بحسب ما تشهد به الساكنة، على التواصل والاستماع والتتبع ومحاولة حل المشاكل على أرض الواقع. فمن الطرق إلى الماء، ومن تحسين ظروف العيش إلى جعل قرية كانت تعاني من الخراب والتهميش أكثر قابلية للسكن والحياة، هناك فرق واضح بين من يظهر أمام الكاميرا في موسم الانتخابات وبين من يظل حاضرا عندما تغيب الكاميرات. فالطريق التي عبدت لا تحتاج إلى منشور كي تتحدث، والماء الذي وصل إلى الناس لا يحتاج إلى خطاب كي يثبت وجوده، والقرية التي تغير واقعها لا تحتاج إلى حملة انتخابية لتخبر أهلها بأن شيئا قد تغير. الإنجاز يتحدث عن صاحبه بصوت أعلى من مكبرات الصوت.
والأكثر إثارة للاهتمام في هذه التجربة، بحسب ما يروى عن طريقة اشتغالها، أنها لم تجعل من المال العام وسيلة لحضورها الشخصي، بل كانت، كما تؤكد الشهادات المتداولة عنها، تساهم من مالها الخاص في عدد من المبادرات، ولا تستعمل سيارة الجماعة أو إمكانياتها لقضاء أغراضها الشخصية. وهنا لا بد من قول شيء أصبح نادرا في زمننا: المال العام ليس ملكا للمنتخب، وسيارة الجماعة ليست سيارة عائلية، والمنصب ليس امتيازا شخصيا. وإذا كان المنتخب يملك الحق في استعمال الوسائل العمومية في إطار مهامه الرسمية ووفق القانون، فإن تحويلها إلى وسيلة لخدمة المصالح الخاصة شيء آخر تماما. لذلك، إذا صحت هذه المعطيات، فهي ليست تفصيلا صغيرا، بل سلوك يستحق التنويه، خصوصا في زمن أصبح فيه بعض الناس يتعاملون مع الجماعة وكأنها ملكية خاصة. ومع ذلك، فإن الإنصاف لا يعني منح أي مسؤول شيكا على بياض، ولا يعني أن مريم وحساة أصبحت فوق النقد أو المحاسبة، وإنما يعني ببساطة أن نحكم على كل شخص بما فعل، لا بما فعله غيره. لا يمكن أن نقول إن كل المنتخبين سواء لمجرد أن بعضهم أساء استعمال المسؤولية، كما لا يمكن أن نعتبر كل تجربة ناجحة دعاية انتخابية. هناك من يدخل السياسة بحثا عن الامتياز، وهناك من يدخلها ويحاول أن يجعل منها وسيلة لخدمة الناس، والفرق بين الاثنين لا يحتاج إلى خطب طويلة، بل يظهر في الواقع.
ولعل أجمل ما يلخص هذه الصورة ما وقع في تواصل مريم وحساة مع ساكنة المنطقة، حين قالت بلهجة مباشرة: «أنا راه ما تنشريش الأصوات وما تنتشراش»، فجاء رد مواطنة عليها بجملة تختصر فلسفة انتخابية كاملة: «شريتي قلوبنا بالطيبوبة ديالك والانجازات ديالك». هنا يجب أن نتوقف قليلا، لأن هناك فرقا شاسعا بين شراء الصوت وكسب الثقة. المال قد يشتري لحظة، لكنه لا يستطيع شراء ذاكرة الناس إلى الأبد، أما العمل فيبقى شاهدا على صاحبه. المواطن قد ينسى خطابا انتخابيا، وقد ينسى صورة أمام لافتة، وقد ينسى وعدا قيل فوق منصة، لكنه لا ينسى الطريق التي سهلت عليه حياته، ولا الماء الذي وصل إلى بيته، ولا المسؤول الذي ظل يسمعه ويتابع مشكلته. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح على كل مرشح ليس: ماذا ستفعل؟ وإنما: ماذا فعلت؟ لأن أسهل شيء في السياسة أن تعد، وأصعب شيء أن تعود بعد سنوات فيجد المواطن شيئا ملموسا أمامه. وفي الجبل تحديدا، لا يمكن خداع الناس طويلا بالشعارات، لأن المواطن يعرف الطريق ويعرف الماء ويعرف القرية ويعرف من كان حاضرا ومن كان غائبا. ولذلك فإن انتماء مريم وحساة إلى حزب التقدم والاشتراكية لا يجب أن يجعلنا نغلق عيوننا عن أي ملاحظة، كما لا ينبغي أن يجعلنا نغمض أعيننا عن أي إنجاز. الحزب شيء، والتجربة شيء آخر، والحكم في النهاية يجب أن يكون على العمل والنتائج.
نحن لا نقول للناس صوتوا لمريم وحساة، فالصندوق ملك للمواطن، والاختيار حق للناخب، والمحاسبة حق للمجتمع. ولا نقول إنها بلا أخطاء، لأن الكمال ليس من صفات البشر. لكننا نقول كلمة تبدو اليوم جريئة: إذا كان هناك منتخب يعمل، ويتواصل، ويسمع، ويتابع، ويساهم في حل مشاكل الناس، ويحترم المال العام، ويترك وراءه طرقا وماء وتحسنا في ظروف العيش، فمن العدل أن نقول له أحسنت. فالصحافة التي لا ترى إلا السواد ليست صحافة، والصحافة التي لا ترى إلا البياض دعاية، أما الصحافة الحقيقية فهي التي تستطيع أن تقول للسياسي عندما يخطئ: أخطأت، وتقول له عندما ينجز: أنجزت. لقد كثر الذين يرفعون الشعارات، وكثر الذين يوزعون الوعود، وكثر الذين يظهرون قبل الانتخابات ثم تختفي آثارهم بعدها، ولذلك أصبح الإنجاز اليوم أكثر ندرة من الكلام، وأصبح التواصل الحقيقي أكثر قيمة من آلاف الصور. وفي النهاية، ستنتهي الحملة، وستنزع اللافتات، وستصمت مكبرات الصوت، وستعود السيارات إلى أماكنها، لكن الطريق ستبقى طريقا، والماء سيبقى ماء، والقرية التي تغيرت ستبقى شاهدة، وذاكرة الناس ستبقى أقوى من كل الحملات. مريم وحساة قد تختلف معها أو تتفق، وقد تؤيدها أو تعارضها، لكن إذا كان العمل الذي يشهد به أهل المنطقة واقعا، فإن الإنصاف يفرض أن نقولها بلا خوف ولا تملق: ليس كل السياسيين سواء، وليس كل المنتخبين نسخة واحدة، ومن يترك أثرا في حياة الناس يستحق أن يحاسب على عمله، نعم، لكنه يستحق أيضا أن ينصف عندما ينجز.




