بوعيدة خارج حزب الاستقلال.. الصوت الذي لم تعجبه حسابات التزكية

لم يكن خروج عبد الرحيم بوعيدة من حزب الاستقلال مجرد استقالة عابرة في موسم انتخابي، بل جاء ليطرح سؤالا اكبر من اسم مرشح او تزكية انتخابية: ماذا تريد الاحزاب من نوابها؟ هل تريد صوتا يدافع عن المواطنين حتى عندما يزعج القيادة، ام تريد رقما انتخابيا يحضر في المقرات ويغيب عندما يتعلق الامر بانتقاد الحكومة؟
بوعيدة اعلن استقالته من حزب الاستقلال ومن عضوية مجلس النواب، بعد عدم تزكيته لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، متسائلا عن المعايير التي اعتمدتها قيادة الحزب في اختيار مرشح اخر مكانه، ومؤكدا ان قراره نهائي وتمسكه بقناعاته.
وهنا بالضبط تكمن المفارقة.
حزب الاستقلال اتحف المغاربة خلال السنوات الماضية بالشعارات والوعود، من محاربة الفساد والفراشية والغلاء، والدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين، الى الحديث عن تخليق الحياة السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لكن عندما يظهر داخل الحزب نائب لا يكتفي بالتصفيق، ويتحدث عن المشاكل التي يعيشها المواطن، وينتقد الحكومة من داخل الاغلبية، ويقول “لا” عندما يرى ان “لا” هي الموقف الصحيح، يصبح السؤال مشروعا: هل الحزب يريد مناضلين اصحاب مواقف، ام مرشحين صالحين فقط للحسابات الانتخابية؟
المشكلة ليست في ان تختار قيادة حزب مرشحا بدل اخر، فهذا حقها السياسي والتنظيمي. المشكلة الحقيقية هي ان تظل معايير الاختيار واضحة ومقنعة ومنسجمة مع الخطاب الذي تقدمه الاحزاب للمواطنين.
فاذا كان معيار الكفاءة والحضور السياسي والدفاع عن المواطنين هو الاساس، فلماذا يصبح الصوت المنتقد عبئا عندما تقترب الانتخابات؟
واذا كان المطلوب هو الانضباط الحزبي، فهل يعني ذلك ان النائب مطالب بالصمت كلما تعلق الامر بسياسة حكومية لا يقتنع بها؟
بوعيدة اختار الاستقالة بدل التخلي عن مواقفه، ليضع الحزب امام سؤال سياسي واضح: هل الاختلاف داخل الحزب مقبول فعلا، ام ان الولاء للقرار التنظيمي اصبح اهم من استقلالية النائب ومواقفه؟
وهذه النقطة هي التي يجب ان تحرج حزب الاستقلال اكثر من استقالة رجل واحد.
لان الاحزاب لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، ولا بعدد المرشحين الذين تزكيهم، بل تقاس ايضا بقدرتها على تحمل الاصوات المختلفة داخلها.
اما ان يكون النائب مقبولا عندما يدافع عن الحزب، ثم يصبح مزعجا عندما ينتقد الحكومة ويتحدث عن مشاكل المواطنين، فهذه ممارسة سياسية تطرح اكثر من علامة استفهام.
والمغربي الذي يسمع كل يوم خطابات عن محاربة الفساد والغلاء والفراشية، من حقه ان يسأل: هل هذه الشعارات مواقف حقيقية، ام مجرد عناوين انتخابية تظهر بقوة كلما اقترب موعد صناديق الاقتراع؟
حزب الاستقلال امام امتحان حقيقي، ليس بسبب بوعيدة كشخص، ولكن بسبب السؤال الذي تركته استقالته وراءه: هل يريد الحزب نوابا يقولون ما يرضي القيادة، ام نوابا يقولون ما يعتقدون انه يخدم المواطنين؟
اذا كان الحزب يريد النوع الاول، فليقلها صراحة.
اما اذا كان يريد اقناع المغاربة بأنه حزب قوي ومتعدد الاصوات، فعليه ان يوضح للرأي العام معايير اختيار مرشحيه، ولماذا لم تشمل التزكية نائبا كان حاضرا بقوة في النقاش السياسي والبرلماني.
فالانتخابات ليست مسابقة في الولاء للقيادة، والسياسة ليست وظيفة يتوقف فيها الكلام عند باب الامانة العامة.
وبوعيدة خرج من الحزب، لكنه ترك وراءه سؤالا سيبقى مطروحا: هل المشكلة في النائب الذي يرفع صوته دفاعا عن المواطن، ام في حزب لم يعد مرتاحا لهذا الصوت؟




