الديون المتعثرة.. حين يتحول تعثر المواطن إلى فرصة استثمارية

يقدم مشروع القانون رقم 02.26 المتعلق بتفويت الديون المتعثرة باعتباره خطوة لتحديث القطاع المالي، من خلال السماح للبنوك والمؤسسات المالية بتفويت الديون التي أصبح تحصيلها صعباً إلى مستثمرين أو جهات متخصصة، بدل أن تظل عالقة لسنوات داخل ميزانياتها.
قد يبدو الأمر منطقياً من زاوية الحسابات البنكية، لكنه يطرح أسئلة مقلقة عندما يتعلق الأمر بالمواطن الذي عجز عن أداء أقساط قرضه، خصوصاً إذا كان القرض مرتبطاً بمسكنه.
فبالنسبة للبنك، الدين المتعثر رقم في الميزانية يمكن التخلص منه. أما بالنسبة للمواطن، فهو راتب لم يعد يكفي، أو فقدان للعمل، أو أزمة عائلية، أو سنوات من الأقساط التي قد تنتهي بتهديد استقراره الاجتماعي.
المخاوف لا تتعلق فقط ببيع الدين، وإنما بما قد ينتج عن انتقاله إلى جهات متخصصة في تحصيل الديون، خصوصاً إذا دخل مستثمرون كبار إلى هذا السوق بحثاً عن أرباح من وراء شراء ديون بأثمان منخفضة ثم تحصيلها بالقيمة الأعلى الممكنة.
وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: أين توجد حماية المواطن في كل هذه العملية؟
لا يكفي أن تتحدث الحكومة عن تحديث النظام المالي وتحسين وضعية البنوك. المطلوب ضمانات صريحة تمنع تحول الأسر المتعثرة إلى مجرد أصول استثمارية، وتضمن احترام حقوق المدينين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمسكن الرئيسي.
كما أن البرلمان مطالب بمناقشة المشروع بعيداً عن منطق التصويت الآلي، وطرح الأسئلة التي تهم المواطنين مباشرة: من سيشتري هذه الديون؟ كيف ستتم عمليات التحصيل؟ وما هي الضمانات التي تمنع التعسف؟ وماذا سيحدث للمواطن الذي فقد عمله ولم يعد قادراً على أداء أقساطه؟
الإصلاح المالي مطلوب، وتخليص الأبناك من الديون المتعثرة قد يكون له ما يبرره اقتصادياً، لكن لا ينبغي أن يكون ثمن ذلك تحويل المواطن المتعثر إلى فريسة لسوق مالية جديدة.
فإذا كانت الحكومة تريد سوقاً حديثة للديون، فعليها أولاً أن تضمن للمواطن المتعثر حقه في الكرامة والحماية والإنصاف.
أما أن تتحول أزمة المواطن إلى فرصة استثمارية، ثم نطلب منه أن يصفق للإصلاح، فهذه قصة أخرى.




