محكمة كيبيك تدين هشام جيراندو بـ210 آلاف دولار بسبب التشهير

في زمن تحوّلت فيه مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للصراع والإثارة، برزت أسماء تقدم نفسها باعتبارها صوتاً للشعب ومدافعة عن الحقيقة، غير أن المتابعة الدقيقة لبعض هذه النماذج تكشف غياب أي مشروع سياسي أو فكري واضح، مقابل حضور قوي لخطاب التشهير والاتهامات والبحث المستمر عن الإثارة الرقمية. ومن بين أبرز هذه الأسماء يبرز اسم هشام جيراندو، الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج لما يمكن تسميته بـ”الشعبوية الرقمية” القائمة على صناعة الجدل أكثر من صناعة الوعي.
فالمتتبع لمحتوى جيراندو يلاحظ بسرعة أنه لا يقدم برنامجاً سياسياً أو تصوراً اقتصادياً أو رؤية إصلاحية واضحة، بل يعتمد أساساً على مهاجمة الأشخاص وتسويق “الفضائح” والدخول في صراعات يومية مع مؤسسات وأسماء مختلفة، في خطاب تغلب عليه الإثارة والانفعال بدل التحليل الرصين والنقاش المسؤول.
هذا الأسلوب لم يبق مجرد جدل افتراضي، بل تحول إلى ملفات قضائية حقيقية داخل كندا، حيث يقيم منذ سنوات. فقد أصدرت المحكمة العليا في كيبيك، دائرة مونتريال، بتاريخ 20 ماي 2026 حكماً جديداً يدين هشام جيراندو في قضية تتعلق بالتشهير والإساءة في حق كل من جمال لحرور ومحمد لوليدي، بعدما اعتبرت المحكمة أن المحتويات التي نشرها تضمنت مساساً بالسمعة وتجاوزاً للحدود القانونية لحرية التعبير.
الحكم القضائي لم يقتصر فقط على الإدانة، بل تضمّن إجراءات صارمة، من بينها إلزام جيراندو بحذف كافة الفيديوهات والمنشورات التي اعتُبرت تشهيرية من مختلف المنصات الرقمية، مع منعه بشكل نهائي من إعادة نشر أي محتوى أو تصريحات تمس بصورة المدعيين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
كما قضت المحكمة بإلزامه بأداء تعويضات مالية ثقيلة بلغت 100 ألف دولار كندي لفائدة كل واحد من الطرفين المتضررين، إضافة إلى تعويضات عقابية بقيمة 5 آلاف دولار لكل طرف، ليصل مجموع المبالغ المحكوم بها إلى حوالي 210 آلاف دولار، دون احتساب الفوائد القانونية والتعويضات الإضافية التي يبدأ سريانها منذ يناير 2026.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ نص القرار القضائي أيضاً على ضرورة تبليغ جيراندو رسمياً بالحكم داخل أجل محدد، مع تكليف مفوضين قضائيين بالسهر على تنفيذ إجراءات التبليغ وفق القوانين الكندية الجاري بها العمل، في مؤشر على الجدية التي تعامل بها القضاء الكندي مع هذا الملف.
وتأتي هذه القضية ضمن سلسلة متاعب قضائية تلاحق جيراندو، بعدما سبق أن صدرت في حقه أحكام أخرى مرتبطة بالتشهير والإساءة، إلى جانب متابعته في ملفات داخل المغرب. كما سبق أن أُدين ابتدائياً في المغرب بعقوبة سجنية ثقيلة بلغت 15 سنة سجناً نافذاً في ملف مرتبط بتهم تتعلق بتكوين عصابة إرهابية والتحريض على أفعال تهدد النظام العام، إضافة إلى ورود اسمه في شكايات وقضايا أخرى مرتبطة بالتشهير والابتزاز، وفق معطيات متداولة في ملفات معروضة أمام القضاء.
هذه المعطيات تطرح أكثر من سؤال حول طبيعة الخطاب الذي يقدمه هشام جيراندو، وحول الفرق بين المعارضة السياسية الحقيقية وبين تحويل المنصات الرقمية إلى فضاءات للصراع الشخصي والتشهير. فالمعارض الحقيقي يقدم أفكاراً وحلولاً ورؤية للمجتمع، بينما يقوم الخطاب الشعبوي الرقمي أساساً على إثارة الغضب وجذب المشاهدات وتحقيق الانتشار عبر الصدام المستمر.
ثم إن الحديث باسم “الشعب” لا يكفي وحده لاكتساب المصداقية، لأن الدفاع الحقيقي عن قضايا المواطنين يمر عبر طرح بدائل واقعية ومناقشة مشاكل التعليم والصحة والبطالة والتنمية، لا عبر تحويل السياسة إلى فرجة رقمية قائمة على الاتهامات والضجيج اليومي.
وفي النهاية، يبدو أن ظاهرة هشام جيراندو تعكس نموذجاً جديداً من “المؤثرين السياسيين” الذين يستثمرون في الغضب الجماهيري أكثر مما يسعون إلى بناء وعي سياسي أو مشروع مجتمعي حقيقي، وهو ما يفسر التحول التدريجي لخطابه من ادعاء الدفاع عن الحقيقة إلى التورط في سلسلة من المتابعات والإدانات القضائية داخل وخارج المغرب.




