حين تتحول الوزارة إلى “جمعية إحسان”.. التعليم العالي يمد يده للمحسنين!

بقلم: المسكين يوسف
في تطور غير مسبوق في تاريخ السياسات العمومية بالمغرب، يبدو أن وزارة التعليم العالي قررت أخيراً “تحرير” نفسها من عبء تمويل المنح الجامعية، وفتح الباب أمام “الخيرين والمحسنين” لإنقاذ الطلبة من الجوع والعطش وربما حتى من ثمن الطباشير الافتراضي داخل المدرجات المهترئة.
فبعد سنوات من الحديث عن “الدولة الاجتماعية” و”الرأسمال البشري” و”الاستثمار في الشباب”، اكتشف المغاربة أن الطالب الجامعي لا يحتاج إلى سياسة عمومية، بل فقط إلى “فاعل خير” يملك قلباً رحيماً وحساباً بنكياً محترماً.
الوزير، الذي يفترض أنه عضو في حكومة تدبر ميزانية بمليارات الدراهم، ظهر وكأنه منشط في حملة تبرعات رمضانية، يناشد المحسنين دعم صندوق المنح، وكأن الوزارة فقدت فجأة كلمة سر الخزينة العامة، أو ربما نسيت أن المنحة ليست صدقة، بل حق اجتماعي مقابل الضرائب التي يؤديها المواطنون.
الطريف في الأمر أن الدولة التي تجد الأموال لكل شيء، من المهرجانات إلى المؤتمرات الفاخرة وصفقات “الدراسات الاستراتيجية” التي لا يقرأها أحد، صارت عاجزة عن توفير بضع مئات من الدراهم لطالب يقطع عشرات الكيلومترات من أجل متابعة دراسته، وينام أحياناً على إيقاع “السندويتش الاقتصادي” وكأس الشاي.
ويبدو أن الحكومة قررت تعميم ثقافة “دبر راسك” بشكل رسمي. فالطالب الذي لا يجد منحة، عليه أن يبحث عن محسن. والذي لا يجد سريراً في الحي الجامعي، عليه أن يطرق أبواب الجمعيات. أما الذي لا يجد عملاً بعد التخرج، فذلك موضوع آخر يدخل في باب “الابتلاءات الوطنية”.
الأكثر سخرية أن بعض المسؤولين ما زالوا يتحدثون عن “تشجيع البحث العلمي”، بينما الطالب الباحث نفسه يبحث يومياً عن ثمن التنقل ووجبة الغداء. ربما المطلوب مستقبلاً أن ينجز الطالب أطروحته تحت عنوان: “أثر الصدقات الموسمية على الاستقرار النفسي للباحث الجامعي”.
هكذا تتحول الجامعة المغربية تدريجياً من فضاء للعلم والمعرفة إلى مشروع خيري كبير، تُدار شؤونه بمنطق الإحسان بدل الحقوق، وبثقافة المناشدة بدل السياسات العمومية.
وفي انتظار أن يظهر “محسن كبير” يتكفل بميزانية التعليم العالي كاملة، سيواصل الطلبة متابعة دراستهم بين مدرجات مكتظة، وأحياء جامعية مهترئة، ومنح تحتاج بدورها إلى “منحة” حتى تكفي أسبوعاً واحداً.




