المغرب

45 مليار سنتيم باش يرجعو يقنعوك من جديد!

في بلاد العجائب السياسية، قررت الدولة مرة أخرى أن تفتح خزائن المال العام وتمنح الدكاكين السياسية ما يقارب 45 مليار سنتيم لتمويل الحملات الانتخابية. نعم، 45 مليار سنتيم كاملة غير من أجل أن يعود نفس الوجوه، ونفس الشعارات، ونفس الوعود التي سمعها المواطن منذ أن كان التلفاز بالأبيض والأسود.

الغريب أن هذه الأحزاب لا تتذكر المواطن إلا عندما تقترب الانتخابات. فجأة يصبح المواطن عزيزاً، وتصبح مطالبه أولوية، ويصبح صوته أغلى من الذهب. أما بعد إغلاق صناديق الاقتراع، فيتحول المواطن إلى مجرد رقم في إحصائيات المندوبية السامية للتخطيط.

45 مليار سنتيم تُصرف من جيب دافع الضرائب لكي تُطبع الملصقات، وتُعلق الصور العملاقة، وتُستأجر القاعات الفاخرة، وتُلقى الخطب الحماسية التي تبدأ بعبارة: “نحن قريبون من المواطن”، وتنتهي بعبارة: “سنحقق التنمية الشاملة”. أما التنمية نفسها فغالباً ما تضيع في الطريق، ربما بسبب ازدحام الوعود الكاذبة.

المثير للسخرية أن بعض هذه الأحزاب لا تكتفي بأخذ التمويل العمومي، بل تستعمله أحياناً لمهاجمة المواطن نفسه. فإذا اشتكى من البطالة قيل له إنه متشائم. وإذا احتج على الغلاء قيل له إنه لا يفهم الإصلاحات. وإذا طالب بالمحاسبة قيل له إنه يشوش على الإنجازات التاريخية التي لا يراها أحد.

المواطن يؤدي الضرائب، ثم تُقتطع من ضرائبه مليارات لتمويل أحزاب ستقضي أسابيع في محاولة إقناعه بأن حياته أصبحت أفضل، بينما هو يبحث يومياً عن ثمن الزيت والمحروقات والخضر والدواء.

والأجمل من كل ذلك أن نفس الوجوه التي وعدت قبل خمس سنوات بحل المشاكل، ستعود هذه السنة لتعد بحل نفس المشاكل التي فشلت في حلها خلال خمس سنوات كاملة. وكأن الانتخابات ليست مناسبة للمحاسبة، بل موسم لتجديد الوعود المنتهية الصلاحية.

45 مليار سنتيم إذن ليست مجرد رقم، بل استثمار ضخم في صناعة الأمل المؤقت، وإعادة تدوير الخطاب السياسي القديم، وإحياء أسطوانة “غداً سيكون أفضل” التي اشتغلت لسنوات طويلة حتى أكل عليها الدهر وشرب.

أما المواطن، فليس أمامه سوى أن يجهز أذنيه لاستقبال مهرجان جديد من الوعود، وأن يراقب كيف تتحول المليارات إلى شعارات، والشعارات إلى خطب، والخطب إلى سراب… إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى