القدرة الشرائية بخير… فقط لا تنظروا إلى الأسعار!

من فاس، خرجت وزيرة الاقتصاد والمالية لتؤكد أن “حماية القدرة الشرائية” تظل أولوية في البرنامج الحكومي. تصريح جميل، أنيق، ومناسب تماماً للاستهلاك الإعلامي، لكنه يطرح سؤالاً بسيطاً: أي قدرة شرائية تقصدون بالضبط؟
لأن المواطن المغربي، على ما يبدو، يعيش في بلد آخر غير الذي تتحدث عنه الحكومة. فبين أسعار المحروقات التي حلقت في السماء دون أن تجد من يضع لها سقفاً، وأسعار المواد الغذائية التي تتسابق يومياً نحو أرقام قياسية جديدة، أصبح الحديث عن “حماية القدرة الشرائية” يشبه الحديث عن حماية الغابات بعد الانتهاء من قطع آخر شجرة.
الغريب أن هذا الخطاب يصدر عن حزب يقود الحكومة منذ سنوات، وهي سنوات شهدت تآكلاً غير مسبوق في جيوب المواطنين. فكلما استيقظ المواطن على زيادة جديدة، استيقظ مسؤول حكومي على تصريح جديد يؤكد أن الأمور تحت السيطرة. السيطرة على ماذا؟ لا أحد يعلم. ربما على قدرة المواطن على الصبر فقط.
الحكومة تتحدث عن “التعاقد المتجدد مع المواطنين”، بينما يشعر المواطن أن العقد الوحيد الذي يتجدد فعلاً هو عقد المعاناة مع الغلاء. أما الازدهار الذي يعدون به، فيبدو أنه قرر الهجرة إلى وجهة مجهولة ولم يترك عنواناً خلفه.
ولعل أكثر ما يثير الإعجاب في هذه التجربة الحكومية هو قدرتها العجيبة على تحويل الأزمات إلى إنجازات. ترتفع الأسعار؟ هذا دليل على الدينامية الاقتصادية. تتراجع القدرة الشرائية؟ هذا مجرد شعور نفسي عند المواطنين. يشتكي الناس من الغلاء؟ لا بد أنهم لم يفهموا بعد حجم النجاح الذي تحقق!
أما الحديث عن “رفع منسوب التفاؤل بالمستقبل”، فهو بالفعل مشروع طموح. لأن المواطن الذي يدخل السوق حاملاً 200 درهم ويخرج منها بكيسين من الخضر، يحتاج إلى جرعات استثنائية من التفاؤل حتى يصدق أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح.
الحقيقة أن القدرة الشرائية لم تعد تحتاج إلى حماية، بل إلى عملية إنقاذ عاجلة. فالحماية تكون للأشياء الموجودة، أما الأشياء التي تعرضت للافتراس المتواصل، فإنها تحتاج أولاً إلى البحث عنها بين أنياب المضاربين والمحتكرين وأسعار المحروقات الملتهبة.
لكن يبدو أن المسؤولين مصرون على طمأنتنا بأن كل شيء على ما يرام. ولذلك ربما علينا نحن أيضاً أن نطمئنهم بالمقابل: نعم، القدرة الشرائية بخير… فقط لم يعد أحد قادراً على رؤيتها.




