المغرب

بين خطاب التوسيع وواقع التعطيل… العالم القروي ينتظر “التراخيص”

في الخطاب الرسمي، تبدو الأمور واضحة ومطمئنة: إصلاحات، تبسيط للمساطر، توسيع لدائرة المستفيدين، وأرقام بملايير الدراهم تُقدَّم كدليل على تحول كبير في قطاع التعمير بالعالم القروي.

فقد أعلنت وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فاطمة الزهراء المنصوري، أن الإجراءات الجديدة المتعلقة بتبسيط شروط البناء في الوسط القروي مكنت من توسيع دائرة المستفيدين إلى 1.8 مليون نسمة، مع استقطاب استثمارات تتجاوز 110 مليارات درهم.

أرقام كبيرة… وخطاب أكبر، يوحي بأن العالم القروي دخل فعلاً مرحلة جديدة من “الانفراج العمراني”.

لكن على الأرض، حيث لا تصل لغة البلاغات، يظل السؤال بسيطاً ومزعجاً في آن واحد: هل تغيّر فعلاً شيء في واقع التراخيص؟

كثير من سكان القرى ما زالوا يتحدثون عن مساطر طويلة ومعقدة، وعن طلبات تُرفض أو تُعلّق لأسباب لا يفهمها المواطن العادي، وعن شعور عام بأن “التبسيط” ما زال يحتاج بدوره إلى تبسيط إضافي.

هنا تظهر المفارقة التي يعرفها المغاربة جيداً: فجوة واسعة بين سرعة الإعلان عن الإصلاحات، وبطء انعكاسها في الحياة اليومية. فبينما تُقدَّم الأرقام في صيغة تحول تاريخي، يبقى المواطن ينتظر أول خطوة عملية تُترجم هذا التحول على شكل رخصة بناء فعالة وسهلة وواضحة.

المشكلة ليست في الخطاب وحده، بل في المسافة بينه وبين التنفيذ. فكل إصلاح يُعلن عنه يبدو في البداية كبيراً ومبشراً، لكنه حين يصل إلى الإدارة المحلية، يتحول في كثير من الأحيان إلى سلسلة جديدة من التأويلات والتعقيدات.

وفي العالم القروي تحديداً، حيث ترتبط السكنى بالاستقرار الاجتماعي والعائلي، تصبح رخصة البناء ليست مجرد وثيقة إدارية، بل شرطاً أساسياً للحياة اليومية. لذلك، فإن أي تعثر في هذا المسار يُترجم مباشرة إلى إحساس عام بأن “الإصلاح لم يصل بعد”.

اللافت أن الأرقام الرسمية تعكس طموحاً كبيراً، لكن الواقع يفرض سؤالاً أكثر بساطة: كم من مواطن اليوم يستطيع فعلاً أن يحصل على رخصة بناء بسهولة، وضمن آجال معقولة، ودون متاهات إدارية؟

بين الخطاب الذي يتحدث عن التوسيع، والواقع الذي ما زال يتحدث عن التعقيد، يبقى العالم القروي في منطقة انتظار طويلة… انتظار أن تتحول الإصلاحات من أرقام في البلاغات إلى إجراءات ملموسة في الملفات.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح أي سياسة عمرانية بحجم الأرقام المعلنة فقط، بل بسرعة وصولها إلى حياة الناس. لأن الإصلاح الحقيقي، ببساطة، هو الذي لا يحتاج إلى شرح طويل… بل يظهر في أول رخصة تُمنح دون عناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى