المغرب

السياسة حين تتسابق مع ثمن اللتر… والأحزاب في امتحان لا يصحح بالبلاغات

في السياسة، يمكن لكل شيء أن يقال… لكن ليس كل شيء يمكن أن يقنع.

الجدل الذي فجره التصويت على مقترح تسقيف أسعار المحروقات لم يعد مجرد نقاش تقني داخل البرلمان، بل تحول إلى مرآة قاسية تعكس سؤالاً أكبر: من يمثل من؟ ومن يتحدث باسم من؟ ومن يكتب الخطاب ومن يوقع على العكس منه؟

في الشارع، لا أحد يناقش تفاصيل “الإكراهات الاقتصادية” أو “تعقيدات السوق الدولية”. هناك لغة واحدة فقط مفهومة جيداً: ثمن الوقود عند المحطة. وكلما ارتفع هذا الرقم، سقطت طبقة جديدة من الخطابات المعلبة.

المفارقة أن جزءاً من المشهد السياسي ما زال يتحدث بلغة اجتماعية كلاسيكية: حماية الفئات الهشة، الدفاع عن القدرة الشرائية، العدالة الاجتماعية… لكن لحظة التصويت كثيراً ما تقول شيئاً آخر، أكثر برودة، وأكثر التصاقاً بمنطق الأرقام منه بمنطق الشعارات.

وهنا تبدأ السخرية الشعبية عملها: كيف يمكن أن تكون كل الأحزاب تقريباً مع “المواطن” في الخطاب، لكن المواطن وحده في الفاتورة؟

الأغلبية تتحدث عن الاستقرار والإصلاح، المعارضة تتحدث عن الإنصاف والبدائل، وبين هذا وذاك يكتشف المواطن أن الاستقرار الوحيد الذي يعيشه هو استقرار ارتفاع الأسعار، وأن “الإصلاح” الوحيد الذي يراه هو إصلاح جيبه من الداخل.

أما البلاغات، فقد أصبحت فناً قائماً بذاته: شرح مطول لما حدث، تبرير لما لم يحدث، وتفسير لما لن يحدث لاحقاً. لغة دقيقة جداً… لكنها لا تنعكس في دقيقة واحدة عند محطة الوقود.

في هذا السياق، لا تبدو الأحزاب في صراع سياسي بقدر ما تبدو في سباق جماعي نحو نفس النتيجة: خطاب مرتفع الصوت، وواقع مرتفع السعر.

والسخرية أن الجميع يرفع نفس الشعارات تقريباً، لكن عند لحظة الاختبار، يكتشف المواطن أن الشعارات لا تُصرف في البنزين ولا تُقبل في الخضر ولا تُخصم من الفواتير.

حتى المعارضة، حين تحاول أن تبدو مختلفة، تجد نفسها أحياناً داخل نفس الدائرة: نقد قوي في الخطاب، وواقع سياسي لا يبتعد كثيراً عن قواعد اللعبة نفسها. فتتسع الفجوة بين ما يُقال في الندوات، وما يُحسم في الجلسات.

وفي النهاية، لا يحتاج المواطن إلى تحليل سياسي بقدر ما يحتاج إلى تفسير بسيط: لماذا كل هذه اللغة الكبيرة، والنتيجة الصغيرة جداً في حياته اليومية؟

ربما لأن السياسة حين تبتعد كثيراً عن جيب المواطن، تبدأ في الاقتراب كثيراً من البلاغات… وتلك، للأسف، لا تملأ خزاناً فارغاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى