30 مليون درهم للأغنام.. حين يصبح الدعم العمومي سؤالا سياسيا وأخلاقيا

في الوقت الذي كان فيه المواطن المغربي يتابع أزمة أسعار الأضاحي، ويبحث عن كيفية تدبير كلفة عيد الأضحى، تفجّرت معطيات إعلامية تتحدث عن استفادة مستشار برلماني، كان ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار، من دعم عمومي يناهز 30 مليون درهم في إطار عملية استيراد الأغنام.
المسألة هنا ليست مجرد رقم كبير، بل رقم يطرح أسئلة أكبر: من يستفيد من المال العمومي؟ وبأي معايير؟ وهل تكفي الصفة القانونية للاستفادة حتى عندما يكون المستفيد في موقع سياسي وتشريعي يفترض معه أن يكون أكثر حرصاً على حماية المصلحة العامة؟
الأكثر إثارة للجدل أن المعني بالأمر، وفق المعطيات المتداولة، كان وقت الاستفادة يشغل عضوية مجلس المستشارين، كما كان حاضراً داخل لجنة المالية، أي في موقع يجعله قريباً من الملفات المالية والاقتصادية والقرارات التي تمس المال العام والدعم العمومي.
وهنا تحديداً تبدأ الأسئلة الثقيلة.
فالمواطن البسيط الذي كان ينتظر انخفاض الأسعار، لم يكن ينتظر أن تتحول برامج الدعم إلى امتيازات تثير الشبهات حول تضارب المصالح. وإذا كانت العملية تمت وفق القانون، فمن حق الرأي العام أن يعرف تفاصيلها كاملة: ما هي شروط الاستفادة؟ وكيف تم احتساب مبلغ الدعم؟ ومن استفاد؟ وما هي الكميات المستوردة؟ وهل كانت هناك منافسة وتكافؤ في الولوج إلى الدعم؟
القضية لا ينبغي أن تختزل في الانتماء الحزبي، لأن المال العمومي لا يحمل بطاقة حزبية.
لكن ما يزيدها حساسية هو أن الحديث يتعلق بشخصية سياسية منتخبة، يفترض أن تكون خاضعة لأعلى درجات الشفافية والمساءلة. فالسياسي الذي يشارك في التشريع والرقابة على الحكومة لا يمكن أن يتوقع من الرأي العام أن يتعامل مع استفادته من دعم بالملايين كما يتعامل مع استفادة مواطن عادي.
والأكثر دلالة في المشهد أن المعني بالأمر، حسب المعطيات المتداولة، غيّر انتماءه الحزبي بعدما أصبحت ورقة حزب التجمع الوطني للأحرار، سياسياً، أقل جاذبية.
وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل الأحزاب بالنسبة إلى بعض السياسيين مشروع سياسي ومبادئ وبرامج، أم مجرد جواز انتخابي قابل للتغيير كلما تغيرت موازين القوة؟
إذا كان الانتقال السياسي حقاً مشروعاً، فإن المواطن أيضاً من حقه أن يسأل عن دوافعه، خصوصاً عندما يأتي في سياق يثير نقاشاً حول الاستفادة من المال العام.
المشكلة ليست في تغيير الحزب بحد ذاته، وإنما في ثقافة سياسية تجعل الانتماء الحزبي عند البعض قابلاً لإعادة الضبط كلما تغيرت الحسابات الانتخابية. وكأن السياسة أصبحت سوقاً، واللون الحزبي مجرد واجهة قابلة للاستبدال.
أما مبلغ 30 مليون درهم، إن تأكدت هذه المعطيات رسمياً، فهو ليس تفصيلاً عابراً يمكن المرور عليه مرور الكرام.
إنها أموال عمومية، والمال العمومي ليس ملكاً للحكومة ولا للأحزاب ولا للبرلمانيين، وإنما هو مال المواطن.
ولهذا فإن المطلوب ليس التشهير بأحد، ولا إصدار أحكام مسبقة، وإنما كشف الحقيقة كاملة. فالشفافية لا تخيف من استفاد بشكل قانوني ونزيه، بل تحميه أيضاً من الشبهات.
أما إذا كانت الاستفادة قانونية، فليخرج المعني بالأمر ليشرح للرأي العام بالأرقام والوثائق كيف حصلت العملية، وما شروطها، وما طبيعة الدعم، ولماذا كان هو من بين المستفيدين.
وإذا كانت هناك تضارب مصالح أو خروقات، فالمسؤولية تقع على الجهات المختصة للتحقيق وترتيب الآثار القانونية اللازمة.
في النهاية، السؤال الذي يفرض نفسه بسيط جداً:
هل نحن أمام دعم عمومي وُجّه لتحقيق المصلحة العامة، أم أمام نموذج جديد من سياسة يستفيد فيها الأقوياء من المال العام، بينما يُطلب من المواطن أن يتحمل فاتورة الغلاء بصبر؟
ذلك هو السؤال الحقيقي، والإجابة عنه يجب أن تكون بالوثائق، لا بالخطب الحزبية ولا بتغيير الألوان السياسية.




