المغرب

الاتحاد الاشتراكي.. الوردة تذبل قبل أن تصل إلى صناديق الاقتراع

يبدو أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية يعيش هذه الأيام موسما انتخابيا من نوع خاص، فبينما يفترض أن تكون الأحزاب منشغلة بتجميع الصفوف والاستعداد للمعركة الانتخابية، يبدو أن حزب الوردة منشغل أكثر بمراقبة من سيبقى ومن سيغادر. وآخر فصول مسلسل المغادرات جاءت باستقالة البرلمانية والقيادية سلوى الدمناتي من الحزب ومن مختلف هياكله وتنظيماته، لتلتحق بقائمة الأسماء التي اختارت مغادرة البيت الاتحادي في توقيت لا يمكن فصله عن أجواء الانتخابات التشريعية المقبلة.

الدمناتي لم تغادر وهي تقول إنها غاضبة فقط، بل اختارت لغة سياسية أكثر أناقة، فتحدثت عن «التتبع الدقيق» لمنهجية الحزب وعن الاختيارات والممارسات التنظيمية والسياسية، قبل أن تصل إلى الخلاصة: الاستقالة جاءت عن قناعة وبعد تفكير مسؤول. وهنا يمكن للمواطن أن يطمئن، فالأمر ليس نزاعا عابرا حول كرسي أو تزكية، وإنما يبدو أن السيدة البرلمانية جلست مع نفسها، وفتحت ملف الحزب، ودرسته بهدوء، ثم أصدرت الحكم النهائي: «شكرا، إلى هنا انتهت الرحلة».

المشكلة أن مسلسل الاستقالات داخل الاتحاد الاشتراكي بدأ يجعل المتابع يتساءل: هل الحزب يستعد للانتخابات، أم يستعد لإحصاء عدد المغادرين؟ فالأحزاب في مثل هذه المرحلة عادة ما تقدم مرشحيها وتعلن عن تعبئة قواعدها، بينما الوردة الاتحادية تبدو وكأنها تقوم بعملية فرز عكسية: من سيبقى داخل التنظيم حتى يوم الاقتراع؟

والأكثر طرافة أن هذه المغادرات تأتي في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الأحزاب أكثر تماسكا، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية. فالانتخابات تحتاج إلى التنظيم والانضباط وتوحيد الصفوف، لا إلى فتح باب الاستقالات على مصراعيه. لكن يبدو أن بعض الخلافات المرتبطة بالتزكيات واللوائح الانتخابية قادرة على تحويل الحزب في لحظة إلى محطة مغادرة جماعية.

طبعا، سيقال إن من حق أي عضو أن يستقيل، وهذا صحيح. وسيقال أيضا إن الاستقالة دليل على حرية القرار وعدم الخضوع للضغط، وهذا أيضا صحيح. لكن عندما تتكرر الاستقالات في فترة واحدة، يصبح السؤال مشروعا: هل المشكلة في الأشخاص الذين يغادرون جميعا، أم أن هناك شيئا داخل طريقة تدبير الحزب يدفعهم واحدا بعد الآخر نحو الباب؟

الاتحاد الاشتراكي ليس حزبا وليد الأمس، وله تاريخ طويل في السياسة المغربية، ولذلك فإن ما يحدث داخله لا يمكن اختزاله في خلاف عابر حول لائحة انتخابية. فالحزب الذي كان يوما من أكبر القوى السياسية في البلاد يجد نفسه اليوم أمام امتحان أصعب: كيف يستعيد الثقة أولا داخل بيته، قبل أن يطلب من الناخب أن يمنحه ثقته خارج البيت؟

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأكثر سخرية هو: هل ستصل الوردة الاتحادية إلى 23 شتنبر وهي ما زالت تحتفظ بكل أوراقها، أم أن موسم الانتخابات سيجدها وقد فقدت بعضا من بتلاتها؟

الجواب لن تقدمه بيانات الاستقالة ولا بيانات التوضيح، وإنما ستقدمه صناديق الاقتراع. أما إلى ذلك الحين، فالحزب مطالب ليس فقط بإقناع الناخبين بالتصويت له، بل ربما بإقناع أبنائه أولا بأن البقاء داخل البيت الاتحادي ما زال يستحق المحاولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى