الدولة الاجتماعية في قرية با محمد.. شعار كبير وواقع صغير

من قرية با محمد، خرجت نبيلة الرميلي لتتحدث عن الدولة الاجتماعية باعتبارها خيارا تم ترسيخه، وعن ضرورة استمرار الإصلاحات. كلام جميل يصلح للمنابر والخطابات، لكن حين تنزل هذه العبارات من منصة الخطاب إلى أرض الواقع، تصطدم بأسئلة لا يستطيع المواطن البسيط إسكاتها بالشعارات: أين هي الدولة الاجتماعية بالنسبة للمعطلين؟ وأين هي الإصلاحات بالنسبة لمن يحمل شهادة ويقضي سنوات في البطالة ينتظر فرصة لا تأتي؟
في قرية با محمد، كما في مناطق أخرى تعاني من الهشاشة والتهميش، لا تبدو الدولة الاجتماعية دائما كما تقدمها الخطب الرسمية. هناك شباب من حملة الشهادات يعيشون سنوات من الانتظار، لا لأنهم يرفضون العمل، ولا لأنهم يطلبون امتيازا، وإنما لأن سوق الشغل مغلق في وجوههم، والبدائل محدودة، والمؤسسات التي يفترض أن تنصت إليهم تبدو بعيدة عن واقعهم. وحين يتحول الانتظار إلى احتجاج، يصبح صوت المعطل أحيانا مصدر إزعاج بدل أن يكون ناقوس خطر.
والأكثر قسوة أن بعض هؤلاء الشباب لا يملكون حتى رفاهية البطالة الهادئة؛ فهناك من يعيش ظروفا اجتماعية صعبة، ومن يحتج للمطالبة بحقه في العمل والعيش الكريم، ثم يجد نفسه في مواجهة القمع والضرب بدل أن يجد حوارا وحلولا. وهنا يصبح الحديث عن «الدولة الاجتماعية» بحاجة إلى أكثر من الأرقام والشعارات، لأنه إذا كان المواطن المعطل لا يجد عملا، ولا دخلا، ولا أفقا، ثم يجد العصا عندما يحتج، فمن حقه أن يسأل: أين نصيبي من هذه الدولة الاجتماعية؟
أما البنية التحتية، فواقع المنطقة بدوره يطرح أسئلة محرجة. طرق وتجهيزات وخدمات عمومية لا تزال دون مستوى ما يطمح إليه السكان، ومناطق تشعر بأنها خارج دائرة الأولويات، وكأن التنمية تصل إلى بعض الجهات بسرعة، بينما تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تجد طريقها إلى مناطق أخرى.
المشكلة إذن ليست في أن نتحدث عن الدولة الاجتماعية، وإنما في أن يشعر المواطن بها. الدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد الخطب التي تتحدث عنها، بل بعدد الشباب الذين وجدوا فرصة عمل، وعدد الأسر التي تحسنت ظروفها، وعدد المناطق التي خرجت من العزلة، وبمستوى الخدمات الصحية والتعليمية والنقل والبنية التحتية.
أما أن يقال للمعطل إن الإصلاحات مستمرة بينما هو مستمر أيضا في البطالة، وأن يقال لسكان منطقة مهمشة إن الدولة الاجتماعية خيار راسخ بينما هم يرون هشاشة الخدمات أمام أعينهم، فهنا تصبح المسافة بين الخطاب والواقع أكبر من أن تغطيها الكلمات.
المواطن لا يريد دولة اجتماعية في الخطابات، ولا يريد إصلاحات محفوظة في البلاغات. يريد أن يرى أثرها في حياته اليومية.
وفي قرية با محمد، قد يكون السؤال الأكثر إزعاجا للسياسيين بسيطا جدا: إذا كانت الدولة الاجتماعية قد ترسخت فعلا، فلماذا لا يزال المعطلون ينتظرون؟ ولماذا لا تزال مناطق كاملة تشعر بأنها منسية؟
لأن الدولة الاجتماعية الحقيقية لا تحتاج إلى من يشرحها للمواطن… المواطن هو من يجب أن يشعر بها.




