المغرب

خلص عاد دّي الجثة”.. حين تتحول المستشفيات العمومية في المغرب إلى مؤسسات لابتزاز الموتى وذويهم

بقلم: المسكين يوسف


في المغرب، لم يعد الموت وحده موجعًا، بل حتى الطريق إليه صار مليئًا بالإهانة والقهر. فأن تفقد ابنًا أو أخًا أو قريبًا داخل مستشفى عمومي، ثم تُفاجأ بأن الجثة لن تُسلَّم إلا بعد دفع “الفاتورة”، فذلك ليس مجرد خلل إداري، بل سقوط أخلاقي وإنساني مدوٍّ. كيف تحوّلت المستشفيات العمومية، التي أُنشئت لخدمة الفقراء والمحتاجين، إلى مؤسسات تُفاوض العائلات المكلومة على جثامين أبنائها؟ وأي قسوة هذه التي تجعل أمًّا مكسورة القلب تُوقّع التزامًا بالأداء مقابل استلام جثة فلذة كبدها؟
الواقع الذي يعيشه المواطن المغربي داخل عدد من المستشفيات العمومية أصبح أقرب إلى الكابوس. بنايات مهترئة، اكتظاظ، نقص في التجهيزات، معاملة لا إنسانية، ثم تأتي الصدمة الأخيرة: “خلص عاد خذ الجثة”. وكأن الفقير لا يكفيه ألم المرض، حتى يُعاقب بعد الموت أيضًا. هذه الممارسات التي تتكرر في أكثر من مدينة تكشف كيف تغلغل منطق التجارة والربح داخل قطاع يفترض أن أساسه الرحمة والحق في العلاج.
المؤلم أكثر أن عائلات كثيرة تؤكد أنها عاشت التجربة نفسها؛ مرضى يُتركون لساعات وأيام في أقسام الإنعاش دون رعاية حقيقية، وعند الوفاة تبدأ رحلة أخرى من المعاناة مع الإدارة والفواتير والالتزامات. هناك من اضطر للاقتراض حتى يستلم جثة قريبه، وهناك من شعر أن كرامته دُفنت قبل أن يُدفن الميت نفسه. فأي صورة هذه التي أصبح يعكسها المستشفى العمومي لدى المواطن المغربي؟
الأخطر أن هذه الوقائع لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى قصص متداولة يوميًا بين المغاربة، حتى صار كثيرون يصفون بعض المستشفيات العمومية بأنها “مصحات خاصة تابعة لوزارة الصحة”، لا فرق بينها وبين القطاع الخاص إلا في الاسم. أما المواطن البسيط، فيبقى وحده في مواجهة المرض والفقر والإهانة، دون حسيب أو رقيب.
إن كرامة الإنسان لا يجب أن تنتهي عند باب المستشفى، ولا يجوز أن تتحول جثث الموتى إلى رهائن بسبب الفواتير. فالدولة التي تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الإنسانية داخل مستشفياتها، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بمحاسبة المسؤولين عن هذه التجاوزات، وفتح نقاش حقيقي حول الوضع الكارثي الذي يعيشه القطاع الصحي العمومي، قبل أن يفقد المواطن آخر ذرة ثقة فيما تبقى من “الخدمة العمومية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى