
في خضم الأجواء التي ترافق منافسات كأس العالم، برزت مجدداً محاولات لتوظيف حادث معزول ذي طابع فردي في سياق سياسي وإعلامي، عبر تقديمه وكأنه يعكس موقف شعب بأكمله، في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً حول خطورة استغلال القضايا الإنسانية لإذكاء التوتر بين الشعوب.
وتداولت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو أظهرت مشجعين مغاربة وهم يحيطون بطفل جزائري بالدعم والمواساة، في مشاهد عكست روح التضامن الإنساني بعيداً عن كل الاعتبارات السياسية. وهو ما اعتبره عدد من المتابعين دليلاً على أن العلاقات بين الشعبين المغربي والجزائري تظل أكبر من حملات التحريض والخطابات العدائية.
ويرى مراقبون أن تحويل حادث فردي وقع خارج المنطقة المغاربية إلى مادة للصراع الإعلامي لا يخدم الضحية ولا أسرته، بل يكرس خطاب الكراهية ويغذي الانقسام، في وقت يفترض فيه أن تترك مثل هذه القضايا للسلطات القضائية المختصة في البلد الذي وقعت فيه، بعيداً عن المزايدات السياسية والإعلامية.
كما يلفت متابعون إلى أن الإنجازات الرياضية الكبرى كثيراً ما تتحول لدى بعض الأطراف إلى مناسبة لإعادة إنتاج خطابات التوتر، خصوصاً عندما تحظى باهتمام جماهيري واسع يتجاوز الحدود. غير أن صور التضامن التي رافقت الواقعة قدمت رسالة مغايرة، مفادها أن الروابط الإنسانية بين الشعوب أقوى من محاولات الاستثمار في الأزمات.
ويؤكد كثيرون أن المنافسة الرياضية ينبغي أن تبقى مجالاً للتقارب والتعارف بين الشعوب، لا منصة لتصفية الحسابات السياسية أو صناعة عداوات وهمية. فالجماهير التي تجتمع في الملاعب من مختلف الجنسيات قادرة على تقديم نماذج في التعايش والاحترام المتبادل، مهما حاولت بعض الأصوات تشويه تلك الصورة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الثابتة أن الحوادث الفردية، مهما كانت مؤسفة، لا يمكن أن تُحمَّل لشعب بأكمله، ولا يجوز أن تتحول إلى وسيلة لإثارة الفتنة بين شعبين تجمعهما روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة. فالمسؤولية الإعلامية تقتضي نقل الوقائع كما هي، لا توظيفها لخدمة أجندات سياسية أو دعائية.




