بين غلاء العلاج وهشاشة التعويضات… عندما يصبح المرض عبئًا مالياً على المغاربة

قبل أن يمد الطبيب يده إلى سماعة الفحص، يجد كثير من المغاربة أنفسهم مضطرين لمد أيديهم إلى جيوب أصبحت شبه فارغة. فمع الزيادات الجديدة التي طالت تسعيرة الاستشارات الطبية لدى عدد من الأطباء المختصين، لم يعد المرض بالنسبة لعدد كبير من الأسر معاناة صحية فقط، بل تحول إلى معاناة مالية تثقل كاهلها في كل موعد طبي.
فحين تقفز تكلفة الاستشارة إلى 350 أو 400 درهم، بينما يبقى التعويض المعتمد من طرف أنظمة التأمين الصحي مبنيا على تعريفة مرجعية لا تتجاوز 150 درهما، فإن الفرق لا تدفعه المؤسسات، بل يدفعه المواطن من قوته اليومي. وهنا تكمن المفارقة؛ فالتغطية الصحية التي يفترض أن تخفف عبء العلاج أصبحت، في كثير من الحالات، عاجزة عن مواكبة الواقع الذي تفرضه أسعار القطاع الخاص.
ولا أحد ينكر أن مهنة الطب تواجه بدورها تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف التجهيزات والكراء والضرائب والموارد البشرية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يتحمل في النهاية كلفة هذا الارتفاع؟ الجواب واضح؛ إنه المريض، وخاصة المصابون بالأمراض المزمنة والمتقاعدون وأصحاب الدخل المحدود، الذين لا يملكون رفاهية تأجيل العلاج أو الاستغناء عن المتابعة الطبية.
إن استمرار اتساع الهوة بين الأسعار الفعلية والتعريفة المرجعية يهدد بتحويل الحق الدستوري في العلاج إلى امتياز لا يقدر عليه إلا القادرون ماديا. فليس من المنطقي أن تتحدث الدولة عن تعميم الحماية الاجتماعية، بينما يجد المؤمن نفسه مضطرا إلى أداء مبالغ تفوق بكثير ما يعوض له، فيتحول التأمين الصحي إلى مساهمة محدودة لا تواكب الواقع.
اليوم، لم يعد النقاش مقتصرا على قيمة الاستشارة، بل أصبح يتعلق بضرورة مراجعة شاملة لمنظومة التسعير والتعويض، بما يحقق التوازن بين استدامة ممارسة الطب وضمان حق المواطنين في الولوج إلى العلاج دون أن يتحول المرض إلى حكم بالإفلاس.
فالقطاع الصحي لا يقاس فقط بعدد المستشفيات أو الأجهزة الحديثة، وإنما أيضا بقدرة المواطن البسيط على زيارة الطبيب دون أن يفكر، قبل تشخيص مرضه، في كيفية تدبير ثمن الاستشارة. لأن العلاج حق، وليس امتيازا مرتبطا بحجم الرصيد البنكي.




