المغرب

حين يضع السياسيون السيف على رقبة المواطن ثم يطلبون منه التصويت لإنقاذه

يبدو أن المواطن المغربي دخل مرحلة سياسية غريبة، مرحلة يطلب منه فيها أن يتحمل الغلاء وارتفاع الأسعار وضغط المعيشة، ثم يأتي السياسي نفسه في موسم الانتخابات ليقول له: إذا أردتم أن نخفف عنكم، صوتوا علينا. وكأن من يملك القرار طوال السنوات الماضية لم يكن هو نفسه مطالبا بالتدخل لحماية المواطن وتحسين ظروف عيشه.

كل شيء أصبح ثقيلا على المواطن: الأسعار، فواتير الحياة، كلفة السكن، النقل، التعليم، العلاج، وحتى أبسط متطلبات العيش. وفي الوقت الذي يجد فيه المواطن نفسه مضطرا إلى شد الحزام مرة بعد أخرى، يرى في المقابل سياسيين يعيشون في مستوى مختلف تماما، تحيط بهم الامتيازات وتوفر لهم ظروف حياة لا تشبه حياة ملايين المغاربة الذين ينتظرون نهاية الشهر كما ينتظر السجين لحظة الإفراج.

لقد أصبح المواطن يشعر وكأن يدا تمسك جيبه ويدا أخرى تمسك صوته. تستنزف قدرته الشرائية، ثم تفتح أمامه أبواب الوعود. وعندما يأتي موسم الانتخابات، تبدأ الخطب: سنحسن القدرة الشرائية، سنوفر فرص الشغل، سنخفض الأسعار، سنصلح الصحة والتعليم، وسنجعل الحياة أفضل. ووسط هذا السيل من الوعود، يجد المواطن نفسه تائها: من يصدق؟ ومن يحاسب؟ ومن المسؤول عن السنوات التي عاش فيها تحت ضغط الغلاء وانتظار الحلول؟

الأخطر أن بعض الخطابات السياسية تحاول تحويل معاناة الناس إلى ورقة انتخابية. بدل أن يقدم السياسي الحساب عن حصيلته، يطلب من المواطن أن يمنحه فرصة جديدة حتى يخفف عنه. إنها معادلة عجيبة: يشتكي المواطن من الحريق، فيأتي من كان في موقع القرار ليقول له: أعطني صوتك وسأحضر لك الماء!

لا، المواطن لا يريد منة من أحد، ولا يريد أن يعامل وكأنه ينتظر صدقة من السياسيين. المواطن يريد حقوقه، ويريد سياسات عمومية تضع كرامته في المقدمة، ويريد أن يعرف أين ذهبت الوعود السابقة ولماذا بقيت حياته عالقة بين ارتفاع الأسعار وانتظار الحلول.

أما أن تستنزف قدرته الشرائية، ويترك يصارع وحده من أجل توفير ضروريات الحياة، ثم يعاد تقديم السياسيين أنفسهم باعتبارهم المنقذين، فذلك ابتزاز سياسي لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالانتخابات ليست شيكا على بياض، والصوت الانتخابي ليس مكافأة مجانية، والمواطن ليس مجرد رقم مطلوب إضافته إلى حصيلة هذا الحزب أو ذاك.

السياسي الذي يريد صوت المواطن عليه أولا أن يحترم عقله، وأن يقدم له حصيلة واضحة، وأن يشرح له ماذا فعل عندما كان في موقع المسؤولية، وماذا أخفق فيه، وماذا سيغير إذا منح فرصة جديدة. أما الكلام الجميل والشعارات والوعود التي تتكرر مع كل استحقاق انتخابي، فقد سمعها المواطن حتى حفظها عن ظهر قلب.

المواطن اليوم لا يحتاج إلى من يخبره بأنه يعاني، فهو يعرف معاناته أكثر من أي سياسي. ولا يحتاج إلى من يشرح له أن الأسعار ارتفعت، لأنه هو الذي يدفعها كل يوم. ولا يحتاج إلى صور انتخابية وابتسامات أمام الأسواق والأحياء الشعبية، بينما تنسى تلك الأحياء بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.

المطلوب بسيط: حاسبوا أنفسكم قبل أن تطلبوا من المواطن أن يحاسبكم بصوته.

فالمواطن الذي تحمل الغلاء، وواجه البطالة، وضاق ذرعا بالوعود، لم يعد يبحث عن سياسي يعده بالجنة بعد الانتخابات. إنه يبحث عن مسؤول يستطيع أن ينظر في عينيه ويقول له بوضوح: هذا ما أنجزناه، وهذا ما فشلنا فيه، وهذه هي مسؤوليتنا.

أما أن يوضع السيف على رقبة المواطن طوال السنة، ثم يطلب منه في موسم الانتخابات أن يختار اليد التي ستحمل السيف، فهذه ليست الديمقراطية التي يحلم بها الناس، بل لعبة سياسية أصبح المواطن مطالبا بأن يضع لها حدا بصوته ووعيه ومحاسبته.

لقد حان الوقت لأن يخاف السياسي من صوت المواطن، لا أن يخاف المواطن من السياسي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى