السياسة المغربية أم «دار الورثة»؟ حين تتحول الانتخابات إلى مشروع عائلي

في المغرب، يبدو أن بعض العائلات اكتشفت حلاً سحرياً لضمان استمرارية الحضور السياسي: إذا كان الأب في السياسة، فلماذا لا يلتحق به الابن؟ وإذا دخل الابن، فلماذا تُترك البنت خارج الحسابات؟ وإذا حضرت العائلة، فالأفضل أن تحضر كاملة!
شباط مع بنتو، لشكر مع ولدو، السيمو مع بنتو، شباعتو مع ولدو، قيوح مع بنتو، ولقجع مع مرتو، ثم تتواصل الأسماء من هذا الحزب وذاك، ومن هذه المدينة وتلك: العنصر مع ولدو، كرم مع ولدو، السعدية مع بنتها، الأنصاري مع ولدو وبنتو، والزمزامي بتمارة مع عائلتو كاملة تقريباً، والغزوي بسيدي قاسم مع ولدو، والراضي بسيدي سليمان مع ولدو، والحاج الطاهر الكاموني مع ولدو، وعرشان بتيفلت مع ولدو، والمحيرشي بوزان مع بنتو… ومزال اللائحة طويلة.
هنا لا يعود المشهد شبيهاً بحملة انتخابية عادية، بل يصبح المواطن وكأنه دخل إلى دار كبيرة تستعد لإجراء عملية تسليم مفاتيح السياسة من جيل إلى جيل.
الأب حاضر، والابن حاضر، والبنت حاضرة، والزوجة حاضرة، والقريب حاضر… وحده المواطن يبدو وكأنه الضيف الذي سيُطلب منه في النهاية أن يختار من بين أفراد العائلة!
والسؤال الذي يطرح نفسه بسخرية: هل نحن أمام انتخابات أم أمام اجتماع عائلي موسع؟
في الماضي، كانت العائلات تعقد اجتماعاتها حول المائدة لتحديد من سيتكلف بالإرث، ومن سيأخذ الأرض، ومن سيتولى شؤون المنزل. أما اليوم، فيبدو أن بعض «الموائد السياسية» أصبحت تناقش سؤالاً آخر: من سيدخل الانتخابات هذه المرة؟
الأب يقول: «أنا دخلت السياسة.»
الابن يجيب: «حتى أنا.»
البنت تقول: «وأنا علاش لا؟»
والزوجة ربما تكتفي بالنظر إلى الجميع وتقول: «واش غادي تخليوني بوحدي؟»
وهكذا تتحول اللائحة الانتخابية شيئاً فشيئاً إلى شجرة عائلية، حتى يكاد الناخب يحتاج إلى دفتر الحالة المدنية بدل ورقة البرامج الانتخابية.
والأكثر طرافة أن المواطن يسمع كثيراً عن ضرورة تجديد النخب، وإفساح المجال أمام الشباب، وتشجيع الكفاءات الجديدة، ومحاربة منطق الريع السياسي، ثم يفتح لائحة المرشحين فيجد وجوهاً يعرفها منذ سنوات، إلى جانب أبنائها وبناتها وأفراد عائلتها.
يعني باختصار: التجديد حاضر… ولكن داخل نفس العائلة!
المشكلة ليست في أن يكون ابن السياسي أو ابنته كفؤاً؛ فهذا حق طبيعي، ولا أحد يمكنه أن يمنع شخصاً من ممارسة السياسة بسبب اسم عائلته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاسم العائلي أقوى من البرنامج، والعلاقات أقوى من الكفاءة، والإرث السياسي أقرب إلى حق مكتسب.
فالديمقراطية لا يفترض أن تعمل بمنطق: «الأب جرب، الآن جاء دور الابن».
ولا بمنطق: «هذه الدائرة كانت مع العائلة، إذن تبقى مع العائلة».
ولا بمنطق: «الكرسي شاغر؟ اتصلوا بأحد أفراد الأسرة!»
لأن الكرسي البرلماني في الأصل ليس ملكية خاصة، ولا تركة عائلية، ولا عقاراً يمكن أن ينتقل بالإرث.
إنه مقعد يمثل مواطنين، والمفترض أن يصل إليه من يقنعهم ببرنامجه وقدرته على الدفاع عن مصالحهم، وليس فقط من يحمل اسماً معروفاً أو ينتمي إلى عائلة سبق أن صنعت لنفسها موقعاً داخل المشهد السياسي.
وبينما المواطن ينتظر وجوهاً جديدة وأفكاراً جديدة، يبدو أن بعض الأحزاب تقول له بطريقة غير مباشرة:
«علاش الجديد؟ القديم موجود، وها حنا زدنا ليه الولد والبنت!»
وفي هذه الحالة، قد يصبح الشعار الانتخابي الأنسب لبعض الدوائر:
«صوّتوا علينا… راه العائلة مجمعة!»
بل ربما نحتاج مستقبلاً إلى لوائح انتخابية جديدة تحمل عناوين من قبيل:
لائحة الأبناء
لائحة البنات
لائحة الأزواج
لائحة العائلة الموسعة
أما الأحزاب، فعوض أن تعقد مؤتمرات لاختيار المرشحين، يمكنها اختصار الطريق وعقد مجالس عائلية.
وفي النهاية، يبقى المواطن أمام صندوق الاقتراع، يضع ورقته ثم يخرج وهو يتساءل:
واش صوتّنا على ممثلين ديال الشعب… ولا ساهمنا فإتمام قسمة الإرث السياسي؟
لأن السياسة حين تصبح شبيهة بـ«دار الورثة»، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفوز الأب أو الابن أو البنت، وإنما أن يقتنع المواطن بأن المستقبل السياسي لا يُصنع بالكفاءة والبرامج، بل يُحجز مسبقاً داخل شجرة العائلة.




