حكومة “الفرص الكبرى”.. حين صار غير المهيكل هو المهيكل الوحيد!

مرة أخرى، تخرج المندوبية السامية للتخطيط بأرقام لا تحتاج إلى “خبير دولي” لفهمها، بل يكفي مواطن يقف صباحاً أمام المقهى ليرى جيش العاطلين، أو يمرّ قرب الأسواق العشوائية ليكتشف أن الاقتصاد غير المهيكل أصبح تقريباً “القطاع الرسمي الحقيقي” في المغرب.
التقرير الأخير لم يأتِ بجديد للمغاربة، لكنه وضع بالأرقام ما تحاول الحكومة تغليفه بالشعارات والبلاغات اللامعة: شغل هش، نساء خارج الدورة الاقتصادية، وشباب يطاردون فرصة عمل كأنهم يبحثون عن كنز أسطوري، مقابل تسارع الشيخوخة التي تهدد صناديق الحماية الاجتماعية بالتآكل مستقبلاً.
المفارقة الساخرة أن الحكومة تتحدث يومياً عن “الدولة الاجتماعية”، بينما الواقع يقول إن ملايين المغاربة يعيشون خارج أي حماية اجتماعية حقيقية، لأنك ببساطة لا تستطيع إدماج بائع متجول أو عامل موسمي أو شاب يشتغل أسبوعاً ويُطرد أسبوعين داخل منظومة مستقرة فقط عبر حملات التواصل و”البوستات” الرسمية.
أما مشاركة النساء في الاقتصاد، فهي قصة أخرى من “النجاحات العجيبة”. الحكومة تتغنى بالتمكين والمساواة، لكن الأرقام تكشف أن نسبة كبيرة من النساء خارج سوق الشغل أصلاً. يبدو أن “التمكين” عند بعض المسؤولين صار يعني نشر صور الندوات الفندقية أكثر من خلق فرص عمل حقيقية تحفظ الكرامة والاستقلال الاقتصادي.
وفيما يخص الشيخوخة، فالمشهد أكثر كوميديا سوداء: شباب عاطل اليوم، سيصبح بعد عقود شيخاً بلا تقاعد محترم، لأن سنوات البطالة والهشاشة لا تبني حقوقاً اجتماعية، بل تبني جيلاً كاملاً يعيش على “دبر راسك”.
الحكومة الحالية جاءت وهي تعد بـ”النموذج التنموي”، لكن الواقع أن المغاربة يعيشون نموذجاً آخر:
تعليم ينتج البطالة،
شغل غير مهيكل يبتلع الاقتصاد،
حماية اجتماعية تحتاج هي نفسها إلى حماية،
وغلاء معيشة يجعل المواطن يشتغل فقط كي يواصل القدرة على الشكوى.
المغاربة لم يعودوا ينتظرون المعجزات، فقط يريدون دولة يكون فيها العمل القارّ أكثر انتشاراً من “الستوري” الحكومي، وتكون فيها الأرقام الرسمية أقل قسوة من الواقع اليومي.
لكن يبدو أن الحكومة اختارت حلاً أبسط:
كلما ارتفعت البطالة… ارتفع منسوب البلاغات المتفائلة!




