بين الخطاب والواقع: تصريح الوزير السعدي حول التغطية الصحية يثير النقاش

عاد الجدل الى الواجهة بعد تصريح الوزير السعدي الذي قال فيه ان المغرب هو الدولة الوحيدة في العالم التي تعتمد التغطية الصحية الاجبارية لجميع المواطنين وتمنحهم في الوقت نفسه دعما ماليا. تصريح يحمل في ظاهره نبرة افتخار، لكنه في عمقه يطرح اسئلة متعددة حول دقة المعطى، مدى واقعيته، ومدى ارتباطه بتجربة المغاربة اليومية مع المنظومة الصحية والدعم الاجتماعي.
اولا، القول بان المغرب الدولة الوحيدة في العالم التي تجمع بين التغطية الصحية الاجبارية والدعم المالي تصريح يحتاج قدرا كبيرا من التدقيق. فعديدة هي الدول التي تعتمد انظمة حماية اجتماعية شاملة، تجمع بين التغطية الصحية الواسعة، ودعما ماليا مباشرا او غير مباشر للفئات الهشة، من دول الشمال الى كثير من بلدان الجنوب. وبالتالي، فان الحديث بهذه الصيغة المطلقة يبدو اقرب الى خطاب سياسي منه الى معطى مقارن يستند الى دراسات او تقارير دولية.
ثانيا، التغطية الصحية الاجبارية التي تم تعميمها في المغرب خطوة مهمة لا يمكن التقليل من قيمتها، لكن السؤال الجوهري هو حول جودة الخدمات المتاحة للمواطن. فالتغطية بحد ذاتها ليست غاية، بل وسيلة لضمان الولوج الى علاج كريم، سريع، وفعال. وفي هذا الجانب، ما تزال المنظومة الصحية تواجه اختلالات معروفة: خصاص في الموارد البشرية، ضغط على المستشفيات العمومية، عدم توازن جهوي في البنيات، وتفاوت كبير بين ما ينتظره المواطن وما يجده في الواقع.
ثالثا، الدعم المالي المباشر عبر سجل الدعم الموحد يظل خطوة في الاتجاه الصحيح من حيث الاستهداف، لكنه لا يعفي الحكومة من مسؤولية تحسين القدرة الشرائية وضبط الاسعار. فالدعم مهما كان مهما، لا يمكنه تعويض غياب سياسات اقتصادية واجتماعية تضمن دخلا كريما واستقرارا في المعيشة.
تصريح الوزير السعدي يعكس، في نهاية المطاف، توجها رسميا نحو تسويق الاصلاحات الاجتماعية بشكل احتفالي، في حين ان المغاربة ينتظرون مقاربة تقوم على الصراحة، الاعتراف بالاختلالات، وتقديم رؤية واضحة لتحسين الصحة العمومية وجودة الخدمات. فالحماية الاجتماعية ليست مجرد مشروع اعلامي، بل ورش وطني يحتاج المتابعة، المحاسبة، والانصات لصوت المواطن الذي يعيش النتائج على الارض.
المطلوب اليوم ليس رفع سقف الخطاب، بل رفع جودة الخدمات الصحية، وتجويد آليات الدعم، حتى يصبح الحديث عن تجربة مغربية متميزة حقيقة قائمة، وليس فقط جملة تمثيلية في لقاء سياسي.




